الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

بسم الله الرحمن الرحيم

نعلن لكافة أعضاء وزوار المنتدى أنه قد تم بفضل الله افتتاح

منتدى التوحيد الخالص

في نسخة جديدة ومطورة، والذي سيوفر إن شاء الله لرواده تسهيلات إضافية لاحتوائه على امتيازات وخصائص حديثة أفضل من سابقه

وقد تم اختيار إحدى أفضل الشركات العالمية المتخصصة لرفع المنتدى وضمان أفضل خدمة لرواده إن شاء الله تعالى

ولذلك نرجو من الجميع التسجيل بنفس الأسماء في المنتدى الجديد
www.twhed.com/vb






شاطر | 
 

 كتاب التوهم(توهم حال اهل النار,وتوهم حال اهل الجنه)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم(توهم حال اهل النار,وتوهم حال اهل الجنه)   الأربعاء 11 مارس - 4:40


[b]هذا الموضوع وضعه العضو


المهاجر

في سبعه مواضيع مختلفه فجمعته في موضوع واحد للسهوله وليسر القراءه لباقي الاعضاء ويرجي من الاستاذ المهاجر مراعاه ذلك


ورأيت من الافضل ان اقدم بين يدي القارئ الكريم مقدمه لمؤلف هذا الكتاب

كتاب التوهم


( توهم حال أهل النار ، وتوهم حال أهل الجنة )


للحارث المحاسبي


أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي


توفي سنة 243 هـ

كلمة عن المؤلف


الحارث بن أسد المحاسبي





نعته الذهبي في السير بقوله : الزاهد العارف شيخ الصوفية أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي صاحب التصانيف الزهدية .

قال الخطيب : له كتب كثيرة في الزهد وأصول الديانة والرد على المعتزلة والرافضة .

قال الجنيد : خلف له أبوه مالاً كثيراً فتركه ، وقال : لا يتوارث أهل ملتين وكان أبوه واقفياً .

قال أبو الحسن بن مقسم : أخبرنا أبو علي بن خيران قال : رأيت المحاسبي معلقاً بأبيه ، يقول : طلق أمي فإنك على دين وهي على غيره .

قال الجنيد : قال لي الحارث : كم تقول عزلتي أنسي ! لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت لهم أنساً ، ولو أن النصف الآخر نأوا عني ما استوحشت .
قلت : المحاسبي كبير القدر وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنقم عليه ، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه وحذر منه .



قال سعيد بن عمرو البرذعي : شهدت أبا زرعة الرازي وسئل عن المحاسبي وكتبه فقال : إياك وهذه الكتب ، هذه كتب بدع وضلالات ، عليك بالأثر تجد غنية ، هل بلغكم أن مالكاً والثوري والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس ما أسرع الناس إلى البدع .

قال ابن الأعرابي : تفقه الحارث وكتب الحديث وعرف مذاهب النساك ، وكان من العلم بموضع إلا أنه تكلم في مسألة اللفظ ومسألة الإيمان ، وقيل هجره أحمد فاختفى مدة .

ومات سنة ثلاث وأربعين ومئتين . ( أ. هـ الذهبي باختصار ) .

وقال ابن حجر في لسان الميزان : الزاهد المشهور . وفي التقريب قال : مقبول . ويعني بهذا اللفظ أن أحاديثه إذا تفرد بها لا تقوم مقام الحجة ، وإنما تصلح للاعتبار والشواهد .
انتهي

___________________________________________________________________________________________________


كتاب التوهم

( رحلة الإنسان إلى عالم الأخرة )

-----------------------------------



الحمد لله الواحد القهار ، العظيم الجبار ، الكبير المتعال الذى جعلنا للبلوى والأختبار ، وأعد لنا الجنة والنار ، فعظم لذلك الخطر ، وطال لذلك الحزن لمن عقل وادكر ، حتى يعلم أين المصير ، وأين المستقر ، لأنه قد عصى الرب ، وخالف المولى ، واصبح وامسى بين الغضب والرضا ، لا يدرى أيهما قد حل ووقع له ، فعظم لذلك غمه ، وطال لذلك حزنه ، وإشتد كربه حتى يعلم كيف عند الله حاله

فإلى الله فارغب فى التوفيق ، وإياه فسل العفو عن الذنوب ، وبه فإستعن فى كل الأمور ، فعجبت كيف تقر عينك ؟! أو كيف يزايل الوجل والإشفاق قلبك ؟! وقد عصيت ربك ، واستوجبت بعصيانك غضبه وعقابه ، والموت لا محالة نازل بك بكربه وغصصه ونزعه وسكراته ، فكأنه قد نزل وشيكا سريعا .



فتوهم :: نفسك وقد صرعة للموت صرعة ، لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك .



فتوهم :: نفسك فى نزع الموت ، وكربه ، وغصصه ، وسكراته ، وغمه وقلقه ، وقد بدأ الملك يجذب روحك من قدمك ، فوجدت ألم جذبه من أسفل قدميك ، ثم تدارك الجذب ، واستحث النزع ، وجذبت الروح من جميع بدنك ، فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى أعلاك ، حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه ، وعمت ألام الموت جميع جسمك ، وقلبك وجل ، محزون ، مرتقب ، منتظر للبشرى من الله عز وجل بالغضب أو الرضا ، وقد علمت أنه لا محيص لك دون أن تسمع إحدى البشريين من الملك الموكل بقبض روحك ، فبينا أنت فى كربك وغمومك وألم الموت بسكراته ، وشدة حزنك ، لإرتقابك إحدى البشريين من ربك ، إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت بأحسن الصورة أو بأقبحها ، ونظرت إليه مادا يده إلى فيك ، ليخرج روحك من بدنك ، فذلت نفسك ، لما عاينت ذلك ، وعاينت وجه ملك الموت ، وتعلق قلبك بماذا يفجؤك من البشرى منه إذا سمعته صوته بنغمته ، أبشر ياولى الله برضا الله وثوابه أو : أبشر ياعدو الله بغضبه وعقابه ، فتستيقن حينئذ بنجاحك وفوزك ، ويستقر الأمر فى قلبك ، فتطمئن إلى الله نفسك ، أو تستيقن بعطبك وهلاكك ، ويحل الإياس فى قلبك ، وينقطع من الله عز وجل رجاؤك وأملك ، فيلزم حينئذ غاية الهم والحزن أو الفرح والسرور قلبك ، حين إنقضت من الدنيا مدتك وإنقطع منها أثرك ، وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك .






فتوهم :: نفسك حين إستطار قلبك فرحا وسرورا ، أو ملى حزنا وعبرة ، وبفترة القبر ، وهول مطلعه ، وروعة الملكين وسؤالهما فيه عن إيمانك بربك ، فمثبت من الله جل ثناؤه بالقول الثابت ، أو متحير شاك مخزول .



فتوهم :: أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالهما إياك ، ليوقفاك على مساءلتهما .



فتوهم :: جلستك فى ضيق لحدك ، وقد سقطت أكفانك على حقويك ، والقطنة من عينيك عند قدميك .



فتوهم :: ذلك ، ثم شخوصك ببصرك إلى صورتهما وعظم أجسامهما ، فإن رأيتهما بحسن الصورة : أيقن قلبك بالفوز والنجأة ، وإن رأيتهما بقبح الصورة : أيقن قلبك بالهلاك والعطب .



فتوهم :: أصواتهما ، وكلامهما بنغماتهما ، وسؤالهما ، ثم هو تثبيت الله إيالك إن ثبتك ، أو تحييره إن خذلك .



فتوهم :: جوابك باليقين ، أو بالتحير ، أو بالتلديد والشك .



فتوهم :: إقبالهما عليك إن ثبتك الله عز وجل بالسرور ، وضربهما بأرجلهما جوانب قبرك بإنفراج القبر عن النار بضعفك .



ثم توهم :: وهى تتأجج بحريقها ، وإقبالهما عليك بالقول ، وأنت تنظر إلى ما صرف الله عنك ، فيزداد لذلك قلبك سرورا وفرحا ، وتوقن سلامتك من النار بضعفك .

ثم توهم :: ضربهما بأرجلهما جوانب قبرك ، وإنفراجه عن الجنة بزينتها ونعيمها ، وقولهما لك : ياعبد الله إنظر ما أعد الله لك ، فهذا منزلك وهذا مصيرك ! .



فتوهم :: سرور قلبك وفرحك بما عاينت من نعيم الجنان وبجة ملكها ، وعلمك أنك صائر إلى ما عاينت من نعيمها وحسن بهجتها



وإن تكن الأخرى ::



فتوهم :: خلاف ذلك كله من الإنتهار لك ، ومن معاينتك الجنة ، وقولهما لك : إنظر إلى ما حرمك الله عز وجل ، ومعاينتك النار ، وقولهما لك : إنظر إلى ما أعد الله لك ، فهذا منزلك وهذا مصيرك



فأعظم بهذا خطرا ، وأعظم به عليك فى الدنيا غما وحزنا ، حتى تعلم أى الحالتين فى القبر حالك ، ثم الفناء والبلاء بعد ذلك ، حتى تنقطع الأوصال فتفنى عظامك ، ويبلى بدنك ، ولا يبلى الحزن أو الفرح من روحك ، متطلعا للقيام عند النشور إلى غضب الله عز وجل وعقابه ، أو رضا الله عز وجل وثوابه ، وأنت مع توقع ذلك معروضة روحك على منزلك من الجنة أو مأواك من النار .





فيأحسرات روحك وغمومها ، وياغبطتها وسرورها ، حتى إذا تكاملت عدة الموتى ، وخلت من سكانها الأرض والسماء ، فصاروا خامدين بعد حركاتهم ، فلا حس يسمع ، ولا شخص يرى ، وقد بقى الجبار الأعلى كما لم يزل أزليا واحدا منفردا بعظمته وجلاله ، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادى لكل الخلائق معك للعرض على الله عز وجل بالذل والصغار منك ومنهم .



فتوهم :: كيف وقوع الصوت فى مسمعك وعقلك ، وتفهم بعقلك أنك تدعى للعرض على الملك الأعلى ، فطار فؤادك ، وشاب رأسك للنداء ، لأنها صيحة واحدة للعرض على ذى الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء .

فينما أنت فزع للصوت ، إذ سمعت بإنفراج الأرض عن رأسك ، فوثبت مغبرا من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك ، قائما على قدميك شاخصا ببصرك نحو النداء ، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة ، وهم مغبرون بغبار الأرض التى طال فيها بلاؤهم .



فتوهم :: ثورتهم بالرعب والفزع منك ومنهم .



فتوهم :: نفسك بعريك ، ومذلتك ، وإنفرادك بخوفك ، وأحزانك ، وغمومك ، وهمومك فى زحمة الخلائق ، عراة حفاة ، صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة ، فلا تسمع إلا همس أقدامهم ، والصوت لمدة المنادى ، والخلائق مقبلون نحوه ، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت ، ساعى بالخشوع والذلة ، حتى إذا وفيت الموقف ، إزدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة ، قد نزع الملك من ملوك الأرض ، ولزمتهم الذلة والصغار ، فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدرا بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله عز وجل فى أرضه .

ثم أقبلت الوحوش من البرارى وذرى الجبال منكسة رءوسها لذل يوم القيامة بعد توحشها وإنفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطيئة أصابتها .



فتوهم :: إقبالهل بذلها فى اليوم العظيم ليوم العرض والنشور ، وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكسة رءوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والإنكسار للملك الجبار وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه ، فسبحانه الذى جمعهم بعد طول البلاء وإختلاف خلقهم وطبائعهم ، وتوحش بعضهم من بعض ، قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور .

حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها ، وإستووا جميعا فى موقف العرض والحساب ، تناثرت نجوم السماء من فوقهم ، وطمست الشمس والقمر ، واظلمت الأرض بخمود سراجها وإطفاء نورها ، فبينا أنت والخلائق على ذلك ، إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم ، فدارت بعظمها من فوق رؤوسهم ، وذلك بعينك تنظر إلى هول ذلك ، ثم إنشقت بغلظها خمسمائة عام ، فيا هول صوت إنشقاقها فى سمعك ، ثم تمزقت وإنفطرت بعظيم هول يوم القيامة ، والملائكة قيام على أرجائها ، وهى حافات ما يتشقق ويتفطر ، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها ، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة .

فبينما ملائكة السماء الدنيا على حافتها إذ إنحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب ، وإنحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم واخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذى أنزلهم محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه .



فتوهم :: تحدرهم من السحاب بعظيم أخطارهم ، وكبير أجسامهم ، وهول أصواتهم ، وشدة فرقهم ، منكسين لذل العرض على الله عز وجل .

حدثنى يحيى بن غيلان قال : حدثنا رشدين بن سعيد عن ابن عباس بن ميمون اللخمى عن أبى قبيل عن عبد الله بن عمروا ابن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لله عز وجل ملك ما بين شفرى عينيه مائة عام "



فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم ، ومسألتهم إياهم : أفيكم ربنا ؟ ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لمليكهم أن يكون فيهم ، فنادوا بأصواتهم تنزيها لما توهمه أهل الأرض : سبحان ربنا ليس هو بيننا ولكنه أت من بعد ، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رءوسهم لذل يومهم .



فتوهم :: وقد تسربلوا بأجنحتهم ونكسوا رءوسهم فى عظم خلقهم بالذل والمسكنة والخشوع لربهم ، ثم كل شى على ذلك ، وكذلك إلى السماء السابعة ، كل أهل سماء مضعفين بالعدد ، وعظم الأجسام ، وكل أهل السماء محدقين بالخلائق صفا واحدا .

حتى إذا وافى الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين وأدنيت من رءوس الخلائق قاب قوس أو قوسين ، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين ، فمن بين مستظل بظل العرش ، وبين مضحو بحر الشمس ، قد صهرته بحرها ، وأشتد كربه وقلقه من وهجها ، ثم إزدحمت الأمم وتدافعت ، فدافع بعضهم بعضا ، وتضايقت ، فإختلفت الأقدام ، وإنقطعت الأعناق من العطش وإجتمع حر الشمس ، ووهج أنفاس الخلائق ، وتزاحم أجسامهم ، ففاض العرق منهم سائلا حتى إستنقع على وجه الأرض ، ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله عز وجل بالسعادة والشقاء ، حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه ، وبعضهم حقويه ( خصره ) ، وبعضهم إلى شحمة أذنيه ، ومنهم من كاد أن يغيب فى عرقه ، ومن قد توسط العرق من دون ذلك منه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم (الجزء الثانى )   الأربعاء 11 مارس - 4:42

فتوهم :: نفسك لكربك ، وقد علاك العرق ، وأطبق عليك الغم ، وضاقت نفسك فى صدرك من شدة العرق والفزع والرعب ، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء ، حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه ، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون فى أمورهم ، فما ظنك بوقوفهم ثلاثمائة عام لا يأكلون فيه أكلة ولا بشربون فيه شربة ، ولا يلفح وجوههم روح ولا طيب نسيم ، ولا يستريحون من تعب قيامهم ونصب وقوفهم حتى بلغ الجهد منهم ما لا طاقة لهم به .



وقال قتادة : سمعت الحسن البصرى يقول : " ما ظنك بأقوام قاموا لله عز وجل على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ، ولم يشربوا فيها شربة ، حتى إذا إنقطعت أعناقهم من العطش ، وإحترقت أجوافهم من الجوع ، انصرف بهم إلى النار ، فسقوا من عين أنية ، قد أن حرها وإشتد نفحها ، فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضا فى طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم فى الراحة من مقامهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار من وقوفهم ، ففزعوا إلى أدم ونوح ومن بعده إبراهيم ، وموسى وعيسى من بعد إبراهيم ، كلهم يقول لهم : إن ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، فكلهم يذكر شدة غضب ربه عز وجل ووينادى بالشغل بنفسه فيقول : نفسى نفسى ، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لإهتمامه بنفسه وخلاصها .



فتوهم :: أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم ، منفرد كل واحد منهم بنفسه ينادى : نفسى نفسى ، فلا تسمع إلا قول ، نفسى نفسى .

فيا هول ذلك ! وأنت تنادى معهم بالشغل بنفسك ، والإهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه ، فما ظنك بيوم ينادى فيه المصطفى أدم ، والخليل إبراهيم والكليم موسى ، والروح والكلمة عيسى ، مع كرامتهم عند الله عز وجل ، كل ينادى : نفسى نفسى ، شفقا من شدة غضب ربه فأين أنت منهم فى إشفاقك فى ذلك اليوم وإشتغالك بحزنك وبخوفك ؟!.

حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم لما رأوا من إشتغالهم لأنفسهم ، أتوا النبى محمدا صلى الله عليه وسلم فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم إليها ، ثم قام إلى ربه عز وجل ، وأستأذن عليه ،فأذن له ، ثم خر لربه عز وجل ساجدا ، ثم فتح عليه من محامده ، والثناء عليه لما هو أهله ، وذلك كله بسمعك ، وأسماع الخلائق ، حتى أجابه ربه عز وجل إلى تعجيل عرضهم ، والنظر فى أمورهم .



فبينما أنت مع الخلائق فى هول القيامة وشدة كربها ، منتظرا متوقعا لفصل القضاء ، والحلول فى دار النعيم أو الحزن ، إذ سطع نور العرش ، وأيقن قلبك بالجبار ، وقد أتى لعرضك عليه كأنه لا يعرض عليه أحد سواك ، ولا ينظر إلا فى أمرك .



عن حميد بن هلال : قال ذكر لنا أن الرجل يدعى يوم القيامة إلى الحساب فيقال : يافلان بن فلان ، هلم إلى الحساب . حتى يقول : ما يراد أحد غيرى مما يحضر به من الحساب . ثم نادى : ياجبريل أئتنى بالنار .



فتوهمها :: وقد أتى جبريل ، فقال : ياجهنم أجيبى .



فتوهم :: إضطرابها وإرتعادها بخوفها أن يكون الله عز وجل خلق خلقا يعذبها به ، فتوهمها حين إضطربت وفارت وثارت ، ونظرت إلى الخلائق من بعد مكانها ، فشهقت إليهم ، وزفرت نحوهم ، وجذبت خزانها ، متوثبة على الخلائق غضبا لغضب ربها على من خالف أمره وعصاه .



فتوهم :: صوت زفيرها وشهيقها ، وترادف قصبتها ، وقد إمتلآ منه سمعك ، وإرتفع له فؤادك ، وطار فزعا ورعبا ، ففر الخلائق هربا من زفيرها على وجوههم ، وذلك يوم التنادى ، لما سمعوا بدوى زفيرها ولوا مدبرين ، وتساقطوا على ركبهم جثأة حول جهنم ، فأرسلوا الدموع من أعينهم .



فتوهم :: إجتماع أصوات بكاء الخلائق عند زفيرها وشهيقها ، وينادى الظالمون بالويل والثبور ، وينادى كل مصطفى وصديق ومنتخب وشهيد ومختار وجميع العوام : نفسى نفسى .



فتوهم :: أصوات الخلائق من الأنبياء فمن دونهم كل عبد منهم ينادى : نفسى نفسى ، وأنت قائلها ، فبينما أنت مع الخلائق فى شدة الأهوال ووجل القلوب إذ زفرت الثانية ، فيزداد رعبك ورعبهم ، وخوفك وخوفهم ، ثم زفرت الثالثة ، فتساقط الخلائق لوجوههم ، وتشخص بأبصارهم من طرف خاشع خفى خوفا من أن تلفهم فتأخذهم بحريقها ، وإنتصف عند ذلك قلوب الظالمين ، فبلغت لدى الحناجر كاظمين ، فكظموا عليها ، وقد غصت فى حلوقهم ، وطارت الألباب ، وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين ، فلا يبقى رسول ولا عبد صالح مختار إلا ذهل لذلك عقله



فأقبل الله عز وجل عند ذلك على رسله ، وهم أكرم الخلائق عليه ، وأقربهم إليه ، لأنهم الدعاة إلى الله عز وجل والحجة على عباده وهم أقرب الخلائق إلى الله عز وجل وجل فى الموقف وأكرمهم عليه ، فيسألهم عما أرسلهم به إلى عباده ، وماذا ردوا عليهم من الجواب ، فقال لهم { ماذا أجبتم } فردوا عليه الجواب عن عقول ذاهلة غير ذاكرة ، { لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب }



فأعظم به من هول تبالغ من رسول الله عز وجل فى قربهم منه وكرامتهم ، حتى أكهل عقولهم ، فلم يعلموا بماذا أجبتهم أممهم .



عن أبى حسن الدمشقى ، قال : قلت لأبى قرة الأزدى : كيف صبر قلوبهم على أهوال يوم القيامة ؟ قال : إنهم إذا بعثوا خلقوا خلقة يقوون عليها .







فتوهم :: نفسك لذلك الخوف والفزع والرعب والغربة

والتحير إذا تبرأ منك الولد والوالد ، والأخ والصاحب ،

والعشائر ، وفررت أنت منهم أجمعين ، فكيف خذلتهم

وخذلوك ، ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم

والحفاظ أن تفر من أمك وأبيك ، وصاحبتك وبنيك ،

وأخيك ، ولكن عظم الخطر ، وإشتد الهول .

فلا تلام على فرارك منهم ، ولا يلامون ، ولم تخصهم

بالفرار دون الأقرباء ؟ لبغضك إياهم ، وكيف تبغضهم

أو يبغضونك ؟ وكيف خصصتهم بالفرار منهم ؟

أتبغضهم وإنهم هم الذين كانوا فى الدنيا مؤانسيك ،

وقرة عينك ، وراحة قلبك ، ولكن خشيت أن يكون لأحد

عندك منهم تبعة فيتعلق بك حتى يخاصمك عند ربك

عز وجل ، ثم لعله أن يحكم له عليك ، فيأخذ منك ما ترجو

أن تنجو به من حسناتك ، فيفرقك منها فتصير بذلك إلى

النار .



فبينما أنت فى ذلك ، إذ إرتفعت عنق من النار فنطقت بلسان

فصيح بمن وكلت بأخذهم من الخلائق بغير حساب ، ثم أقبل

ذلك العنق فيلتقطهم لقط الطير الحب ، ثم إنطوت عليهم

فألقتهم فى النار فإبتلعتهم ، ثم خنست بهم فى جهنم فيفعل

ذلك بهم .



ثم ينادى منادى : سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ، ليقم

الحمادون لله على كل حال ، فيقومون فيسرحون إلى الجنة ،

ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل ، ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا

ولا بيعها عن ذكر مولاه ، حتى إذا دخلت هذه الفرق من أهل

الجنة والنار ، ثم تطايرت الكتب فى الأيمان والشمائل

ونصبت الموازين .



فتوهم :: الميزان بعظمه منصوبا .

وتوهم :: الكتب المتطايرة وقلبك واجف متوقع أين يقع كتابك

فى يمينك أو فى شمالك .



عن الحسن : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأسه

فى حجر عائشة فنعس ، فتذكرت الأخرة ، فبكت ، فسالت

دموعها على خد النبى صلى الله عليه وسلم ،

فقال { ما يبكيك ياعائشة }؟!. فقالت : يارسول الله ذكرت الأخرة

هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ فقال { والذى نفسى بيده فى

ثلاثة مواطن فإن أحد لا يذكر إلا نفسه ، إذا وضعت الموازين

ووزنت الأعمال حتى ينظر إبن أدم أيخف ميزانه أم يثقل؟

وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله ؟ وعند الصراط }



وعن أنس بن مالك ، قال : " يؤتى بإبن أدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتى الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوته يسمع الخلائق : سعد فلان إبن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وإن خف : شقى فلان إبن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا .



فبينما أنت واقف مع الخلائق ، إذ نظرت إلى الملك ، وقد أمر

أن يحضر بالزبانية ، فأقبلوا بأيديهم مقامع من حديد عليهم

ثياب من النار ، فلما رأيتهم طار قلبك فزعا ورعبا ، فبينما

أنت كذلك إذ نودى بإسمك، فنوديت على رءوس الخلائق

والأولين والأخرين : أين فلان إبن فلان ؟ هلم إلى العرض

على الله عز وجل ، وقد وكل الملائكة بأخذك حتى يقربوك إلى ،

ربك عز وجل ، فلم يمنعها إشتباه الأسماء بإسمك أن تعرفك

لما ترى بك أنت المراد بالدعاء المطلوب .



فتوهم :: حين وقفت بالإضطراب والإرتعاد .

وتوهم :: مباشرة أيديهم على عضديك ، وغلظ أكفهم حين

أخذوك .

فتوهم :: نفسك محثوثة فى أيديهم .

وتوهم :: تخطيك الصفوف ، طائرا فؤادك ، متخلعا قلبك .

فتوهم :: نفسك فى أيديهم كذلك حتى إنتهى بك إلى عرش

الرحمن ، فقذفوا بك من أيديهم ، وناداك الله عز وجل

بعظيم كلامه : أدنو منى يا بن أدم ، فغيبك فى نوره ،

فوقفت بين يدى رب عظيم جليل كبير كريم بقلب خافق

محزون ، وجل مرعوب ، وطرف خائف ، خاشع ذليل

ولون متغير ، وجوارح مرتعدة مضطربة ، كالحمل الصغير

حين تلده أمه، ترتعد ، بيدك صحيفة محبرة لا تغادر

بلية كسبتها ، ولا مخبأة أسررتهأ ، فقرأت ما فيها بلسان

كليل ، وحجة داحضة ، وقلب منكسر ، فكم لك من حض

وخجل ، وجبن من المولى الذى لم يزل إليك محسنا ،

وعليك ساترا ، فبأى لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح

فعلك ، وعظيم جرمك ؟ وبأى قدم تقف غدا بين يديه ؟

وبأى نظر تنظر إليه ؟ وبأى قلب تحتمل كلامه العظيم

الجليل ومساءلته وتوبيخه ؟



فتوهم :: نفسك بصغر جسمك ، وإرتعاد جوارحك ، وخفقان

قلبك ، وقد سمعت كلامه بتذكير ذنوبك ، وإظهار مساوئك ،

وتوقيفك بمخبأتك .



فتوهم :: نفسك بهذه الهيئة ، والأهوال بك محدقة من خلفك ، فكم من بلية قد نسيتها ، قد ذكرك إياها ، وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها ، وكم من عمل قد ظننت أنه قد خلص

لك وسلم بالغفلة منك إلى ميل الهوى عما يفسده ، قد رده فى

ذلك الموقف عليك وأحبطه ، بعد ما كان أملك فيه عظيما .



فياحسرات قلبك ، وتأسفك على ما فرطت فى طاعة ربك ،

حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر كل بلية ، ونشر كل مخبأة ،

فأجهدك الكرب ، وبلغ منك الحياء منتهاه ، لأنه الملك الأعلى

فلا حياء يكون من أحد أعظم من الحياء منه ، لأنه القديم

الأول الباقى الذى ليس له مثل ، المحسن المتعطف المتحنن

الكريم الجواد المنعم المتطول .

فما ظنك بسؤال من هو هكذا ؟!.وقد أبان عن مخالفتك إياه

وقلة هيبتك له ، وحيائك منه ، ومبارزتك له ، فما ظنك بتذكيره

إياك مخالفته ، وقلة إكتراثك فى الدنيا بالطاعة له ، ونظرك إليه

إذ يقول : ياعبدى أما أجللتنى ؟ أما إستحييت منى ؟ إستخففت

بنظرى إليك ؟ ألم أحسن إليك ؟ ألم أنعم عليك ؟ ما غرك منى ؟

شبابك فيما أبليته ؟ وعمرك فيما أفنيته ؟ ومالك من أين إكتسبته

وفيما أنفقته ؟ وعملك ماذا عملت فيه ؟



وأنت ياإبن أدم بين خطرين عظيمين : إما أن يتلاقاك برحمته

ويتطول عليك بجوده ، وإما أن يناقشك الحساب ، فيأمر بك إلى

الهاوية وبئس المصير .



فما ظنك بنفسك وضعف قلبك ، والله عز وجل يكرر عليك ذكر

إحسانه إليك ، ومخالفتك له ، وقلة حيائك منه ؟

فأعظم به موقفا !

وأعظم به من سائل لا تخفى عليه خافية !

وأعظم بما يداخلك من الحزن والغم ، والتأسف على ما فرطت

فى طاعته ، وركوبك معصيته .

فإذا تبالغ فيك الجهد من الغم والحزن والحياء بدا لك من أحد

الأمرين : الغضب ، أو الرضا عنك والحب لك ، فإما أن يقول

يا عبدى أنا سترتها عليك فى الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم

فقد غفرت لك كبير جرمك وكثير سيئاتك ، وتقبلت منك يسير

إحسانك .

فيستطير بالسرور والفرح قلبك ، فيشرق لذلك وجهك.



فتوهم :: نفسك حين قالها لك ، فإبتدأ إشراق السرور ونوره

فى وجهك بعد كأبته وتكسفه من الحياء من السؤال والحصى

من ذكر مساؤى فعلك ، فإستبدلت بالكأبة والحزن سرورا فى

قلبك ، فأسفر وجهك ، وإبيض لونك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم (الجزء الثالث )   الأربعاء 11 مارس - 4:47

فتوهم :: رضاه عنك حين سمعته منه ، فثار فى قلبك ، فإمتلأ

سرورا ، وكدت أن تموت فرحا ، وتطير سرورا ويحق لك ،

فأى سرور أعظم من السرور والفرح برضا الله عز وجل ؟!

فو الله تعالى لو أنك مت فرحا فى الدنيا حين توهم رضاه

فى الأخرة لكنت بذلك حريا ، وإن كنت لم تستيقن برضاه فى

الأخرة ، ولكن أملا لذلك ، فكيف بك مستيقنا له فى الأخرة .



ولو توهمت : نفسك ، قد بدا لك منه الرحمة والمغفرة ، كنت

حقيقا أن تطير روحك من بدنك فرحا ، فكيف أن لو قد سمعت

من الله عز وجل الرضا عنك والمغفرة لك ؟ فأمن خوفك ،

وسكن حذرك ، وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد ، وأيقنت

بفوزك ونعيمك أبدا لا يفنى ولا يبيد بغير تنقيص ولا تكذيب .



فتوهم :: نفسك بين يدى الله عز وجل وقد بدا لك من الرضا ،

وطار قلبك فرحا ، وإبيض وجهك ، وأشرق وأنار وأحال عن

خلقته، فصار كأنه القمر ليلة البدر ، ثم خرجت على الخلائق

مسرورا بوجه محبور ، قد حل به أكمل الجمال والحسن ،

يسطع نورا مشرقا بتلألائه ، تتخطاهم بالجمال والحسن والنور والضياء ، كتابك بيمينك ، أخذ بعضديك ملك ينادى على رءوس

الخلائق : هذا فلان إبن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا .

لقد شهرك ربك عز وجل بالرضا عنك عند خلقه ، ولقد حقق حسن ظن الظانين ، وأبطل تهم المتهمين لك ، وإن فى هذه المنزلة

غدا على رءوس الخلائق لعوضا من المنزلة عند العباد

بطاعته والتصنع لهم زهدا فى المنزلة عندهم ، والتعظيم عندهم

بطاعة ربه عز وجل بصدق معاملته وحده لا شريك له ، عوضك

المنزلة الكبرى على رءوس الخلائق ، فشهرك برضاه عنك

وموالاته إياك.



فتوهم :: نفسك وأنت تتخطى الخلائق ، وكتابك فى يمينك بجمال

وجهك ونوره ، وفرح قلبك وسروره ، وقد شخصت أبصارهم

إليك غيظة لك وتأسفا على أن ينالوا من الله عز وجل ما نلت

فليعظم من الله عز وجل فى طلب ذلك أملك ورجاؤك ، فإنه عز

وجل إن تفضل عليك نلت ذلك .

فهذا أحد الأمرين الذى أنت بينهما على خطر .



وأما الأمر الأخر : فإما أن يقول لك : عبدى أنا غضبان عليك ،

فعليك لعنتى ، فلن أغفر لك عظيم ما أتيت ، ولن أتقبل منك ما

عملت .

فيقول لك ذلك عند بعض ذنوبك العظيمة : أتعرفها ؟ فتقول

نعم وعزتك ، فيغضب عليك فيقول : وعزتى لا تذهب بها منى

فنادى الزبانية فيقول : خذوه .

فما ظنك بالله عز وجل يقولها بعظيم كلامه وهيبته وجلاله ؟



فتوهم :: إن لم يعف عنك ، وقد سمعتها من الله عز وجل

بالغضب ، وأسند إليك الزبانية بغضاضتها ، وغلظ أكفها

مستدفرة بأزمة من النيران، غضبا لغضب الله عز وجل

بالعنف عليك ، والغلظ والتشديد . فلم تشعر حين قالها

إلا ومجسة غلظ أكفهم فى قفاك وعنقك .



فتوهم :: غلظ أكفهم حين قبضوا على عنقك بالعنف ،

يتقربون إلى الله عز وجل بعذابك وهوانك .



فتوهم :: نفسك مستجذبا ذليلا ، موقنا بالهلاك ، وأنت فى

أيديهم ، وهم ذاهبون بك إلى النار ، مسودا وجهك ، وكتابك

فى شمالك تنادى بالويل والثبور ، والملك أخذ بعضديك ينادى

هذا فلان إبن فلان شقى شقاء لا يسعد بعده أبدا .

لقد شهرك بالغضب والسخط عليك . ولقد تمت فضيحتك عند

خلقه ، فأخلف حسن ظن الظانين بك ، وحقق تهم المتهمين لك

ولعله إن فعل ذلك بك فعله بتصنعك لطاعته عند عباده بطلب

المنزلة عندهم بسقوط المنزلة والجاه عنده ، ففضحك عند من

أثرته عليه فىالمعاملة ، ورضيت بحمده على طاعة ربك عز

وجل عوضا من حمده إياك تبارك وتعالى .

فتوهم ذلك ، ثم توهمه ، وإذكر هذا الخطر ، وكن مفكرا حذرا أى الأمرين

يرتفع بك ، وأى الأمرين قد أعد لك .

عن كعب قال " إن الرجل ليؤمر به إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك "



قال أبو عبد الله : وقد بلغنى أنه إذا وقف العبد بين يدى الله عز وجل فطال

وقوفه ، تقول الملائكة : ما لك من عبد عليك لعنة الله ؟! أبكل هذا بارزت

الله عز وجل ، وقد كنت تظهر فى الدنيا علانية حسنة ؟! .



فتوهم :: ما حل من الوجل بفؤادك ، حين رفعت طرفك ، فنظرت إلى

الجسر مضروبا على جهنم بدقته ودحوضه ، وجهنم تخفق بأمواجها

من تحته ، فياله من منظر ما أفظعه وأهوله ! وقد علمت أنك راكب فوقه

وأنت تنظر إلى سواد جهنم من تحته ، وتسمع قصيف أمواجها ، وجلبة

ثورانها من أسفلها والملائكة تنادى : ربنا من تريد أن تجيزه على هذا ؟

وتنادى : ربنا ربنا سلم سلم .

فلينما أنت تنظر إليه بفظاعة منظره إذ نودى : مروا الساهرة ، فلم تشعر

إلا وقد رفعت الأرض من تحتك وتحت الخلائق لأن تبدل ، ثم بدلت بأرض

من فضة بيضاء ، ثم قيل لك وأنت تنظر إلى الجسر بفظاعته ، وقيل

للخلق معك : إركبوا الجسر .



فتوهم :: خفقان فؤادك وفزعه ، وقد قيل لك إركب الجسر فطار عقلك

رعبا وفزعا ، ثم رفعت أحد قدميك لتركبه ، فوجدت بباطن قدميك حدته

ودقته ، فطار قلبك فزعا ثم ثنيت الأخرى فأستويت عليه راكبا وقد

أثقلتك أوزارك ، وأنت حاملها على ظهرك ، ثم صعدت عليه بطيران

قلبك حتى بلغت ذروته ، والخلائق من بين يديك ومن ورائك .. عرفا

واحدا ، فصعدت عليه بطيران قلبك حتى بلغت ذروته ، ثم إنحدرت

بإضطرابه بك ، والخلائق عليه عرف واحد يضطرب بهم خفقان جهنم

تحته ، فتهافت الناس من بين يديك ومن ورائك ،

فتوهم : صعودك بضعفك عليه وقد نظرت إلى الزالين والزالات من بين

يديك ومن خلفك ، وقد تنكست هاماتهم ، وإرتفعت الملائكة بلحى الرجال

وذوائب النساء من الموحدين إذ الأغلال فى أعناقهم وثارت إليهم النار

بطلبتها ، وفارت وشهقت على هاماتهم ، وبادرت شرر النار إلى هاماتهم

ثم جذبت هاماتهم إلى جوفها ، وهم ينادون ويصرخون ، وقد أيسوا من

أنفسهم ، وهم لإجتذاب النار لهاماتهم فيها ينحدرون وهم بالويل ينادون

وأنت تنظر إليهم مرعوبا خائفا أن تتبعهم ، فتزل قدمك ، فتهوى من

الجسر وتنكسر قامتك ، وترتفع على الصراط رجلاك .



فتوهم :: ذلك فى الدنيا بعقل فارغ وشفقة على صعف بدنك ، مخفف

للمرور عليه ، فإن أهوال يوم القيامة إنما تخفف على أولياء الله عز وجل

الذين توهموها فى الدنيا بعقولهم ، فعظم خطر النجأة عندهم ، فتحملوا من

ثقل همومها فى الدنيا على قلوبهم وحرقة خوفها على ضرورتهم ،

فخففها فى القيامة بذلك عليهم مولاهم ، فألزم قلبك توهمها ، والخوف

منها ، والغم بها ، لأنه يخففها عليك بذلك ، ويهونها ، لأنه ألى على

نفسه ألا يجمع على أوليائه الخوف فى الدنيا والأخرة .



فتوهم :: ممرك على الجسر بشدة الخوف ، وضعف البدن ، وإن يكن

مغضوبا عليك غير معفى عنك ، ولم تشعر إلا وقد زلت قدمك عن الصراط



فتوهم :: نفسك إن لم يعف عنك أن زلت رجلك عن الصراط فقلت فى نفسك

مع ذلك : ذهبت أبدا هذا الذى كنت أحاذر وأخاف وطار عقلك . ثم ذلت

الأخرى ، فتنكست هامتك ، وإرتفعت عن الصراط رجلاك ، فلم تشعر إلا

والكلوب قد دخل فى جلدك ولحمك ، فجذبت به ، وبادرت إليك النار

ثائرة غضبانة لغضب مولاها ، فهى تجذبك ، وأنت تهوى من الجسر

وتنادى حين وجدت مس نفحها : ويلى ويلى ، وقد غلب على قلبك الندم

والتأسف ألا كنت أرضيت الله عز وجل فرضى عنك ، وأقلعت عما يكره

قبل أن تموت ، فغفر لك ، حتى إذا صرت فى جوفها إلتحمت عليك بحريقها

وقلبك قد بلغ غاية حرقته ومضيضه ، فتورمت فى أول ما ألقيت فيها

ونادى الله عز وجل النار ، وأنت مكبوب على وجهك تنادى بالويل والثبور

فناداها : { هل امتلأت } فسمعت نداءه ، وسمعت إجابتها له

{ وتقول هل من مزيد } ، يقول : هل من سعة وأنت فى قعرها ، وهى

تتلهب فى بدنك ، لها قصيف فى جسدك ، ثم لم تلبث أن تقطر بدنك

وتساقط لحمك ، وبقيت عظامك ثم أطلقت النار على ما فى جوفك

فأكلت ما فيه .



فتوهم :: كبدك والنار تداخل فيها ، وأنت تنادى ، فلا ترحم وتبكى وتعطى

الندم إن رددت ألا تعود ، فلا تقبل توبتك ، ولا يجاب نداؤك .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم (الجزء الرابع )   الأربعاء 11 مارس - 4:49

فتوهم :: نفسك ، وقد طال فيها مكثك ، وألح العذاب ، فبلغت غاية الكرب

وإشتد بك العطش ، فذكرت الشراب فى الدنيا ، ففزعت إلى الجحيم ،

فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك ، فلما أخذته ، نشت كفك

من تحته ! ، وتفسخت لحراراته ، وهيج حريقه ، ثم قربته إلى فيك فشوى

وجهك ، ثم تجرعته فسلخ حلقك ، ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك ،

فناديت بالويل والثبور ، وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته .

ثم أقلعت الحريق ، فبادرت إلى حياض الحميم لتبرد بها ، كما تعودت فى

الدنيا الإغتسال والإنغماس فى الماء إذا إشتد عليك الحر ، فلما إنغمست

فى الحميم تسلخ من قرنك إلى قدمك ، فبادرت إلى النار رجاء أن تكون

هى أهون عليك .

ثم إشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم ، وأنت تطوف بينها وبين

حميم أن ، وهو الذى قد إنتهى حره .

وتطلب الروح ، فلا روح بين الحميم وبين النار ، تطلب الروح فلا روح

أبدا .

فلما إشتد بك الكرب والعطش ، وبلغ منك المجهود ، ذكرت الجنان ،

فهاجت غصت من فؤادك إلى حلقك أسفا على جوار الله عز وجل

حزنا على نعيم الجنة .

ثم ذكرت شرابها ، وبرد مائها وطيب عيشها ، فتقطع قلبك حسرة

لحرمان ذلك .

ثم ذكرت أن فيها بعض القرابة من أب أو من أم ، أو من أخ وغيرهم

من القرابة ، فناديتهم بصوت محزون من قلب محترق ، قلق : يا أماه

أو يا أبتاه ، أو يا أخاه ، شربة من ماء ، فأجابوك بالخيبة ، فتقطع قلبك

حسرات بما خيبوا من أملك ، وبما رأيت من غضبهم عليك لغضب ربك

عز وجل ، ففزعت إلى الله بالنداء بالمرجع والعتبى أن يردك إلى الدنيا

فمكث عنك دهرا طويلا لا يجيب هوانا بك وأن صوتك عنده ممقوت

وجاهك عنده ساقط ، ثم ناداك بالخيبة منه أن { اخسئوا فيها ولا تكلمون }

فلما سمعت نداءه بجلال كلامه بالتخسية لك إبتداء ، فمثلك لا يجاب ،

ومنخرك وفوك ملجومة بلجام ، فبقى نفسك مترددا فى جوفك لا مخرج له

فضاقت نفسك فى صدرك ، وبقيت قلقا تزفر لا تطيق الكلام ، ولا يخرج

منك نفس .

ثم أراد أن يزيدك إياسا وحسرة ، فأطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه

فيها .

فما ظنك إن لم يعف عنك ، وقد سمعت رجوف بابها قد أغلق ؟

فيا إياسك ويا إياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم

فعلموا عند ذلك أن الله عز وجل إنما أطبقها لئلا يخرج منها أحد أبدا

فتقطعت قلوبهم إياسا ، وإنقطع الرجاء منها ألا فرج أبدا ، ولا مخرج منها

ولا محيص لهم من عذاب الله عز وجل أبدا ، خلودا فلا موت ، وعذابا

لا زوال له عن أبدانهم ، ودوام حرق قلوبهم ومضيضها ، فلا روح ولا

راحة تعلق بهما أبدا ، أحزان لا تنقضى ، وغموم لا تنفد ، وسقم لا يبرأ

وقيود لا تحل ، وأغلال لا تفك أبدا ، وعطش لا يروون بعده أبدا ، وكرب

لا يهدأ أبدا ، وجوع لا يشبعون بعده أبدا إلا بالزقوم ينشب فى حلوقهم .

فيستغيثون بالشراب ليسوغوا به غصصهم فيقطع أمعاءهم ، وحسرة

فوت رضوان الله عز وجل فى قلوبهم ، وكمد حرمان جوار الله عز وجل

يتردد فى صدورهم ، لا يورحم بكاؤهم ، ولا يوجاب دعاؤهم ، ولا يغاثون

عند تضرعهم ، ولا تقبل توبتهم، ولا تقال عثرتهم ، غضب الله عز وجل

عليهم فلا يرضى عنهم أبدا ، إذ أبغضهم ومقتهم ، وسقطوا من عينه ،

وهانوا عليه فأعرض عنهم .

فلو رأيتهم وقد عطشوا وجاعوا ، فنادوا من أهل الجنة الأقرباء ، فقالوا

جميعا : يا أهل الجنة ، يا معشر الأباء والأمهات والإخوة والأخوات ،

خرجنا من قبورنا عطاشا ، وأوقعنا بين يدى الله عز وجل عطاشا ،

وأومر بنا إلى النار عطاشا ، أفيضوا علينا من الماء أو مما رزفكم الله ،

فأجابوهم بالتخسية ، فتراجع فى قلوبهم الحسرة والندامة ، فهم فيها

يتقلقلون لا ينفح وجوههم روح أبدا ، ولا يذوقون منها بردا أبدا ،

فهم فى عذاب دائم وهوان لا ينقطع .

فمثل نفسك بهذا الوصف أن لم يعف عنك ، فلو رأيت المعذبين فى خلقهم ،

وقد أكلت النار لحومهم ، ومحت محاسن وجوههم ، وإندرس تخطيطهم

فبقيت العظام مواصلة محترقة مسودة ، وقد قلقوا وإضطربوا فى قيود أغلالهم ، وهم ينادون بالويل والثبور ، ويصرخون بالبكاء والعويل ،

وإذن لذاب قلبك فزعا من سوء خلقهم ، وتضعفت من رائحة نتنهم ،

ولما بقيت روحك فى بدنك من شدة وهج أبدانهم وحرارة أنفاسهم .

فكيف بك إن نظرت إلى نفسك وأنت أحدهم ، وقد زال من قلبك الأمل

والرجاء ، ولزمه القنوط والإياس ، وعطفت على بدنك ، فدخلت النار

فى الحدقتين ( النار ) فسمعت تفضيضهما إنتقاما ، وبدلا من نظرك إلى

ما لا يحب ولا يرضى ، ودخلت النار فى مسامعك ، فتسمع لها فى مسامعك

قصيفا وجلبة ، والتحفت عليك ، فنفضت منك العظام ودوبت اللحام

وإطلعت إلى الجوف ، فاكلت الكبد والأحشاء ، فغلبت على قلبك الحسرات

والندامة والتأسف .



فتوهم :: ما وصفت لك ، فإنما وصفت بعض الجمل .

فتوهم :: ذلك بعقل فارغ موقن عارف بما قد جنيت على نفسك ، وما

إستوجبت بجنايتك ، وفكر فى مصيبتك فى دينك ، ولير الله عز وجل أثر

المصيبة ، لعله أن يرحمك ، فيتجاوز عنك لمغفرته وعصمته .



فإن كنت من أهل العفو والتجاوز



فتوهم :: إن تفضل الله عز وجل عليك بالعفو ةالتجاوز ، ممرك على

الصراط ، ونورك معك يسعى بين يديك ، وعن يمينك ، وكتابك بيمينك ،

مبيض وجهك ، وقد فصلت من بين يدى الله عز وجل ، وأيقنت برضاه عنك

وأنت على الصراط مع زمر العابدين ووفود المتقين ، والملائكة تنادى

سلام سلام ، والوجل مع ذلك لا يفارق قلبك ولا قلوب المؤمنين .



فتوهم :: نفسك ، وأنت تمر خفيفا مع الوجل .

فتوهم :: ممرك على قدر خفة أوزارك وثقلها ، وقد إنتهيت إلى أخره ،

فغلب على قلبك النجاة ، وعلا عليك الشفق ، وقد عاينت نعيم الجنان

وأنت على الصراط ، فحق قلبك على جوار الله عز وجل وإشتاق إلى رضا

الله ، حتى إذا صرت إلى أخره ، خطوت بإحدى رجليك إلى العرصة

( بقعة واسعة لا بناء فيها ) ، التى بين أخر الجسر وبين باب الجنة

فوضعتها على العرصة التى بعد الصراط ، وبقيت القدم الأخرى على

الصراط ، والخوف والرجاء قد إعتليا فى قلبك وغلبا عليك ، ثم ثنيت

بالأخرى ، فجزت الصراط كله وإستقرت قدماك على تلك العرصة

وزلت عن الجسر ببدنك ، وخلفته وراء ظهرك وجهنم تضطرب من

تحت من يمر عليها ، وتثب على من زل عنه مغتاظة تزف عليه وتشهق

إليه . ثم إلتفت إلى الجسر فنظرت إليه بإضطرابه ، ونظرت إلى الخلائق

من فوقه وإلى جهنم من تحته تثب وتزفر على الذين زلزلوا عن الصراط

لها فى رءوسهم وأنحائهم قصيف ، فطار قلبك فرحا إذ رأيت عظيم ما

نجاك الله منه، فحمدت الله وإزددت له شكرا ، إذ نجوت بضعفك من النار

وخلفت النار وجسرها من وراء ظهرك ، متوجها إلى جوار ربك ثم خطوت

أمنا إلى باب الجنة قد إمتلأ قلبك سرورا وفرحا ، فلا تزال فى ممرك بالفرح

والسرور حتى توافى أبوابها ، فإذا وافيت بابها إستقبلك بحسنه ، فنظرت

إلى حسنه ونوره وحسن صورة الجنة وجدرانها ، وقلبك مستطير فرح

مسرور متعلق بدخول الجنة حين وافيت بابها أنت وأولياء الرحمن .



فتوهم :: نفسك فى ذلك الموكب ، وهم أهل كرامة الله ورضوانه ، مبيضة

وجوههم ، مشرقة برضا الله ، مسرورون فرحون مستبشرون ، وقد وافيت

باب الجنة بغبار قبرك ، وحر المقام ووهج ما مر بك ، فنظرت إلى العين

التى أعدها الله لأوليائه وإلى حسن مائها ، فإنغمست فيها مسرورا ، لما

وجدت من برد مائها وطيبه ، فوجدت له بردا وطيبا ، فذهب عنك بحزن

المقام ، وطهرك من كل دنس وغبار وأنت مسرور لما وجدت من طيب

مائها لما باشرته ، وقد أفلت من وهج الصراط وحره ، لأنه قد يوافى بابها

من أحرقت النار بعض جسده بلفحها وقد بلغت منه ، فما ظنك وقد إنفلت

من حر المقام ووهج أنفاس الخلائق ، ومن شدة توهج حر الصراط فوفيت

باب الجنة بذلك ، فلما نظرت إلى العين قذفت بنفسك فيها ؟! .



فتوهم :: فرحة فؤادك لما باشر برد مائها بدنك بعد حر الصراط ، ووهج

القيامة ، وأنت فرح لمعرفتك إنك إنما تغتسل لتتطهر لدخول الجنة والخلود

فيها ، فأنت تغتسل منها دائبا ، ولونك متغير حسنا ، وجسدك يزداد نضرة

وبهجة ونعيما ، ثم تخرج منها فى أحسن الصور وأتم النور .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم (الجزء الخامس)   الأربعاء 11 مارس - 4:50

فتوهم :: فرح قلبك حين خرجت منها فنظرت إلى كمال جمالك ونضارة وجهك وحسنه ، وأنت عالم موقن بأنك تتنظف للدخول إلى جوار ربك .

ثم تقصد إلى العين الأخرى ، فتتناول من بعض أنيتها .



فتوهم :: نظرك إلى حسن الإناء ، وإلى حسن الشراب ، وأنت مسرور بمعرفتك أنك إنما تشرب هذا الشراب لتطهر جوفك من كل غل ، وجسدك ناعم أبدا ، حتى إذا وضعت الإناء على فيك ثم شربته ، وجدت طعم شراب لم تذق مثله ، ولم تعود شربه ، فيسلس من فيك إلى جوفك ، فطار قلبك سرورا لما وجدت من لذته ، ثم نقى جوفك من كل أفة ، فوجدت لذة طهارة صدرك من كل طبع كان فيه ينازعه إلى الغموم والهموم والحرص والشدة والغضب والغل .

فيا برد طهارة صدرك ! ويا روح ذلك على فؤادك !.

حتى إذا إستكملت طهارة القلب والبدن ، وإستكمل أحباء الله معك ، والله مطلع يراك ويراهم ، وأمر مولاك الجواد المتحنن خزان الجنة من الملائكة ، الذين لم يزالوا مطيعين خائفين منه مشفقين وجلين من عقابه إعظاما له وإجلالا ، وهيبة له ، وحذرا من نقمته ، وأمرهم أن يفتحوا باب جنته لأوليائه ، فإنحدروا من دارها ، وبادروا من ساحاتها ، وأتوا باب الجنة فمدوا أيديهم ليفتحوا أبوابها ، وأيقنت بذلك ، فطار قلبك سرورا وإمتلأت فرحا ، وسمعت حسن صرير أبوابها ، فعلاك السرور ، وغلب على فؤادك ، فيا سرور قلوب المفتوح لهم باب جنة رب العالمين !

فلما فتح لهم بابها ، هاج نسيم طيب الجنان ، وطيب جرى مائها ، فنفح وجهك ، وجميع بدنك ، وثارت أراييح الجنة العبقة الطيبة ، وهاج ريح مسكها الأذفر ، وزعفرانها المونع وكافورها الأصفر وعنبرها الأشهب ، وأرياح طيب ثمارها وأشجارها ، وما فيها من نسيمها ، فتداخلت تلك الأراييح فى مشامك حتى وصلت إلى دماغك ، وصار طيبها فى قلبك ، وفاض من جميع جوارحك ، ونظرت بعينك إلى حسن قصورها وتأسيس بنيانها من طرائق الجندل الأخضر من الزمرد ، والياقوت الأحمر ، والدر الأبيض ، قد سطع منه نوره وبهاؤه وصفاؤه ، فقد أكمله الله فى الصفاء والنور ومازجه نور ما فى الجنان ، وفرح فؤادك لمعرفتك أنك إذا دخلتها فإن لك فيها الزيادات ، والنظر إلى وجه ربك ، فإجتمع طيب أراييح الجنة وحسن بهجة منظرها ، وطيب نسيمها ، وبرد جوها ، وذلك أول روح وطيب – لا تنفيض فيه – نفح وجهك .



فتوهم :: نفسك مسرورا بالدخول ، لعلمك أنها يفتح بابها لك والذين معك أولياء الله ، وفرحك بما تنظر إليه من حسن بهجتها ، وما وصل إلى فؤادك من طيب رائحتها ، وما باشر وجهك وبدنك من طيب جوها وبرد نسيمها .



فتوهم :: نفسك أن تفضل الله عليك بهذه الهيئة ، فلو مت فرحا لكان ذلك يحق لك ، حتى إذا فتحوا بابها ، أقبلوا عليك ضاحكين فى وجهك ووجوه أولياء الله معك ، ثم رفعوا أصواتهم يحلفون بعزه ما ضحكنا قط منذ خلقنا إلا إليكم .



فتوهم :: حسن نغماتهم ، وطيب كلامهم ، وحسن تسليمهم ، فى كمال صورهم ، وشدة نورهم ، ثم أثنى الملائكة على أصحاب الجنة بالطيب والتهذيب من كل دنس ودرن وغل وغش ، وكل أفة فى دين أو دنيا ، ثم أذنوا لهم على الله بالدخول فى جواره ، ثم أخبروهم أنهم باقون فيها أبدا ، فلما سمعت الإذن وأولياء الله معك ، بادرتم الباب بالدخول ، فكظت الأبواب من الزحام فما ظنك بباب مسيرة أربعين عاما كظيظة من زحام أولياء الرحمن ، فأكرم بهم من مزدحمين مبادرين إلى ما قد عاينوا من حسن القصور من الياقوت والدر .



فتوهم :: نفسك أن عفا الله عنك فى تلك الزحمة مبادرا مع مبادرين ، مسرورا مع مسرورين ، بأبدان قد طهرت ، ووجوه قد أشرقت وأنارت فهى كالبدر قد سطع من أعراضهم كشعاع الشمس فلما جاوزت بابها ، وضعت قدميك على تربتها ، وهى مسك أذفر ، ونبت الزعفران المونع ، والمسك مصبوب على أرض من فضة ، والزعفران نابت حولها ، فذلك أول خطوة خطوتها فى أرض البقاء بالأمن من العذاب والموت فأنت تتخطى فى تراب المسك ، ورياض الزعفران ، وعيناك ترمقان حسن بهجة الدر ، من حسن أشجارها وزينة تصويرها .

فبينما أنت تتخطى فى عرصات الجنان ، فى رياض الزعفران وكثبان المسك ، إذ نودى فى أزواجك وولدانك وخدامك وغلمانك وقهارمتك : أن فلانا قد أقبل ، فأجابوا ، وإستبشروا لقدومك ، كما يبشر أهل الغائب فى الدنيا بقدومه .

فبينما أنت فرح مسرور بغبطتهم لقدومك لما سمعت أجلابهم فرحا بك ، إذ إبتدرت القهارمة إليك ، وقامت الولدان صفوفا لقدومك فبينما أتت القهارمة مقبلة إليك ، إذ إستخف أزواجك للعجلة ، فبعثت كل واحدة منهن بعض خدامها لينظر إليك مقبلا ، ويسرع بالرجوع إليها بقدومك ، لتطمئن إليه فرحا ، وتسكن إلى ذلك سرورا فنظر إليك الخدم قبل أن تلقاك قهارمتك ، ثم بادر رسول كل واحدة منهن إليها ، فلما أخبرها بقدومك ، قالت كل واحدة لرسولها : أنت رأيته ، من شدة فرحها بذلك ، ثم أرسلت كل واحدة منهن رسولا أخر ، فلما جاءت البشارات بقدومك إليهن ، لم يتمالكن فرحا ، فأردن الخروج إليك مبادرات إلى لقائك لولا أن الله كتب القصر لهن فى الخيام إلى قدومك ، كما قال مليكك: { حور مقصورات فى الخيام } فوضعن أيديهن على عضائد أبوابهن ، وأذرعهن برءوسهن ، ينظرن متى تبدو لهن صفحة وجهك ، فيسكن طول حنينهن ، وشدة شوقهن إليك ، وينظرن إلى قرير أعينهن ، ومعدن راحتهن ، وأنسهن إلى ولى ربهن وحبيب مولاهن .

فبينما أنت ترفل فى كثبان المسك ، ورياض الزعفران وقد رميت ببصرك إلى حسن بهجة قصورك ، إذ إستقبلك قهارمتك بنورهم وبهائهم ، فإستقبلك أول قهرمان لك ، فأعظمت شأنه وظننت أنه من ملائكة ربك ، فقال لك : ياولى الله ، إنما أنا قهرمانك وكلت بأمرك ، ولك سبعون ألف قهرمان سواى ، ثم تابعه القهارمة ببهائهم ونورهم ، كل يعظمك ، ويسلم عليك بالتعظيم لك .



فتوهم :: قلبك فى الجنان ، وقد قامت بين يديك قهارمتك معظمين لك ، ثم الوصفاء ، والخدام ، فإستقبلوك كأنهم اللؤلؤ المكنون ، فسلموا عليك ، ثم أقبلوا بين يديك .



فتوهم :: تبخترك فى موكب من قهارمتك وخدامك ، يزفونك زفا إلى قصورك ، وما أعد لك مولاك ومليكك ، فلما أتيت باب قصرك ، فتحت الحجاب أبوابك ، ورفعت لك الستور ، وهم قيام على أقدامهم لك معظمين .



فتوهم :: ما عاينت ، حين فتحت أبواب قصورك ، ورفعت ستوره من حسن بهجة مقاصيره ، وزينة أشجاره ، وحسن رياضه ، وتلألؤ صحنه ، ونور ساحاته ، فبينما أنت تنظر إلى ذلك ، إذ بادرت البشرى من خدامك ينادون أزواجك :

هذا فلان إبن فلان ، قد دخل من باب قصره ، فلما سمعن نداء البشراء بقدومك ودخولك ، توثبن من الفرش على الأسرة فى الحجال ، وعينك ناظرة إليهن فى جوف الخيام والقباب ، فنظرت إلى وثوبهن مستعجلات ، قد إستخفهن الفرح ، والشوق إلى رؤيتك .



فتوهم :: تلك الأبدان الرخيمة الرعبوبة الخريدة الناعمة ، يتوثبن بالتهادى والتبختر .



فتوهم :: كل واحدة منهم ، حين وثبت فى حسن حللها وحليتها بصباحة وجهها ، وتثنى بدنها بنعمته .



فتوهم :: إحدارها مسرعة بكمال بدنها ، نازلة عن سريرها إلى صحن قبتها ، وقرار خيمتها ، فوثبن حتى أتين أبواب خيامهن وقبابهن ، ثم أخذن بأيديهن عضائد أبواب خيامهن للقصر الذى ضرب عليهن إلى قدومك ، فقمن أخذات بعضائد أبوابهن ، ثم خرجن برءوسهن ووجوههن ، ينحدرن من أبواب قبابهن ، متطلعات ، ينظرن إليك ، مقبلات قد ملئن منك فرحا وسرورا .



فتوهم :: نفسك بسرور قلبك وفرحه ، وقد رمقتهن ببصرك ، ووقع ناظرك على حسن وجوههن ، وغنج أعينهن ، فلما قابلت وجوههن حار طرفك ، وهاج قلبك بالسرور فبقيت كالمبهوت الذاهل من عظيم ما هاج فى قلبك من سرور ما رأت عيناك ، وسكنت إليه نفسك ، فبينما أنت ترفل إليهن ، إذ دنوت من أبواب الخيام فأسرعن مبادرات قد إستخفهن العشق ، مسرعات يتثنين من نعيم الأبدان ، ويتهادين من كمال الأجسام ثم نادتك كل واحدة منهن ، ياحبيبى ما أبطاك علينا ؟

فأجبتها بأن قلت : يا حبيبة ما زال الله عز وجل يوقفنى على ذنب كذا وكذا حتى خشيت أن لا أصل إليكن ، فمشين نحوك فى السندس والحرير ، ويثرن المسك ، ويحركن نبت الزعفران بأذيال حللهن وخلاخيلهن ، إستعجالا إليك ، وشوقا وعشقا لك ، فأول من تقدمت منهن إليك مدت إليك بنانها ومعصمها وخاتمها ،



فتوهم :: حسن بنان أنشى من الزعفران والكافور ، ونعم فى الجنان الألاف من الدهور .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم (الجزء السادس   الأربعاء 11 مارس - 4:51

فتوهم :: حين مدته إليك يتلألأ نورا ويضىء إشراقا ، فلما وضعت بنانها فى بنانك ، وجدت مجسمة لينة بنعيمه ، وكاد أن ينسل من يديك للينه ، وكاد عقلك أن يزول فرحا بما وصل إلى قلبك من طيب مسيس بنانها ، ثم مددت يدك إلى جسمها الرخيم الناعم ، فضمتك إلى نحرها ، فانثنيت عليها بكفك وساعدك حتى وضعته على قلائدها من حلقها ، ثم ضممتها إليك وضمتك إليها .



فتوهم :: نعيم بدنها لما ضمتك إليها كاد أن يداخل بدنك بدنها من لينه ونعيمه .



فتوهم :: ما باشر صدرك من حسن نهودها ، ولذة معانقتها ، ثم شممت طيب عوارضها ، فذهب قلبك من كل شى سواها حتى غرق فى السرور ، وإمتلأ فرحا لما وصل إلى روحك من طيب مسيسها ولذة روائح عوارضها .

فبينما أنت كذلك ، إذ تمايعن عليك ، فإنكببن عليك يلثمنك ويعانقنك ، فملآن وجهك بأفواههن متلثمات ، وملآن صدرك بنهودهن ، فأحدقن بك بحسن وجوههن ، وغطين بدنك وجللنه بذوائبهن ، وإستجمعت فى مشامك أراييج طيب عوارضهن .



فتوهم :: نفسك وهن عليك منكبات بفيك ملتثمات ، عليك متثنيات بنعيم أبدانهن ، لهن إستراحة عند ضمك إليهن لشدة العشق ، وطول الشوق إليك .

فلما إستمكنت خفة السرور من قلبك ، وعمت لذة الفرح جميع بدنك ، وموعد الله عز وجل فى سرورك ، فناديت بالحمد لله الذى صدقك الوعد ، وأنجز لك الموعد .

ثم ذكرت طلبك إلى ربك إياهن بالدؤوب والتشمير .

فأين أنت فى عاقبة ذلك العمل الذى إستقبلته وأنت تلتثمهن وتشم عوارضهن .

ثم أثنين عليك وأثنيت عليهن .

ثم رفعن أصواتهن ليؤمنك بذلك من المعرفة لهن بحوادث الزمان ،وتنغيص عيشك بأخلاقهن ، فنادين جميعا بأصواتهن : نحن الراضيات فلا نسخط أبدا ، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ، ونحن الخالدات فلا نبيد أبدا ، ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدا ، طوباك أنت لنا ونحن لك .

ثم مضيت معهن فيا حسن منظرك ، وأنت فى موكبك من حورك وولدانك وخدامك ! حتى إنتهيت إلى بعض خيامك ، فنظرت إلى خيمة من درة مجوفة مفصصة بالياقوت والزمرد فنظرت إلى حسن أبوابها ، وبهجة ستورها ، ثم رميت ببصرك إلى داخلها ، فنظرت إلى فرشها ومجدها وزرابيبها وحسن تأسيس بنيانها قد بنيت طرائق على جنادل الدر والياقوت ، ثم نظرت إلى سريرك فى إرتفاعه وعليه فرشه ، من الحرير والإستبرق بطائنهن ، قد علا ظواهرهن من النور المتكثف ، وعلى أطرافهن من فوق الحرير والديباج ، وحسن الرفرف الأخضر، وهى فصول المجالس .

فلما تأملت تلك الفرش بحسنها ، وفوقها المرافق قد ثنتها ، حار طرفك فيها ، ثم نظرت إلى حجلتها من فوق سريرها ، وقد أحدقت بالعرش من فوقها .



فتوهم :: حسن الأبواب ، وحسن الستور ، وحسن عرصة القبة ، بحسن فرشها ، وحسن السرير ، وحسن قوائمه ، وإرتفاعه ، وحسن الفرش فوقه ، والمرافق فوق فرشه ، فتأملت ذلك كله ببصرك . فلما دنوت من فرشك ، تطأمنت مع سريرك ، فإرتفعت الحوراء وإرتقت معها .



فتوهم :: صعودها عليه بعظيم بدنها ونعيمه ، حتى إست وت عليه جالسة ، ثم إرتقيت على السرير ، فإستويت عليه معها ، فقابلتك وأنت مقابلها ، فيا حسن منظرك إليها جالسة فى حالها وحليها بصباحة وجهها ونعيم جسمها ! الأساور فى معاصمها ، والخواتم فى أكفها ، والخلاخيل فى أسواقها ، والحقاب فى حقوها ، والوشاح قد تنظر نهديها ، وجال بخصرها ، والقلائد فى عنقها ، والشحب على نحرها ، والأكاليل من الدر والياقوت على قصتها وجبينها ، والتاج من فوق ذلك على رأسها ، والذوائب من تحت التاج ، قد خل من مناكبها ، وبلغ أرادفها وأنعالها ، ترى وجهك فى نحرها ، وهى تنظر إلى وجهها فى نحرك ، وقد أحدق الولدان بقبتك ، وقد قام الوهط بين يديك ويديها ، وقد تدلت الأشجار بثمارها من جوانب حجلتك ، واطردت الأنهار حول قصرك ، وإستعلى الجداول على خيمتك بالخمر والعسل واللبن والسلسبيل .وقد كمل حسنك وحسنها . وأنت لابس الحرير والسندس وأساور الذهب واللؤلؤ على كل مفصل من مفاصلك ، وتاج الدر والياقوت منتصف فوق رأسك ، وأكاليل الدر مفصصة بالنور على جبينك .

وقد أضاءت الجنة وجميع قصورك من إشراق بدنك ونور وجهك ، وأنت تعاين من صفاء قصورك جميع أزواجك وخدمك وجميع أبنية مقاصيرك .

وقد تدلت عليك ثمار أشجارك ، واطردت أنهار من الخمر واللبن من تحتك ، والماء والعسل من فوقك ، وأنت جالس مع زوجتك على أريكتك ، وقد فتحت مصاريع أبوابك ، وأرخيت عليك حجال خيمتك ، وحفت الولدان والخدام بقيتك ، وسمعت زجلهم بالتقديس لربك ، وقد إطلعوا على ضمير قلبك ، فسارعوا إلى كل ما حدثت به نفسك من أنواع كرامتك ، وسرورك وأمانيك ، فأتوك بكل أمنياتك وأنت وزوجتك بأكمل الهيئة وأتم النعم ، وقد حار فيها طرفك تنظر إليها متعجبا من جمالها وكمالها ، وطرب قلبك بملاحتها ، وأنس قلبك بها من حسنها ، فهى منادمة لك على أريكتك ، تنازعك وتعاطيك الخمر والسلسبيل والتسنيم فى كأسات الدر وأكاويب قوارير الفضة .



فتوهم :: الكأس من الياقوت والدر فى بنانها ، وقد قربت إليك ضاحكة بحسن ثغرها ، فسطع نور بنانها فى الشراب ، مع نور وجهها ونحرها ، ونور الجنان ، ونور وجهك وأنت مقابلها ، وإجتمع فى الكأس الذى فى بنانها نور الكأس ، ونور الشراب ، ونور وجهها ، ونور نحرها ، ونور ثغرها ، فما ظنك بذوائب شاب أمرد كامل الخلق ، أنور الوجه ، أبيض الجسم ، أنضر الثياب ، أصفر الحلى من ذهب الجنان ، يشوبه حمرة الياقوت ، وبياض الدر ، وحسن العقيسن ؟ .

فيا لك عروس طفلة أنيسة عربوبة كامل خلقها ! وياجمال وجهها ! ويا بياض نهودها وتثنى جسمها ! يكسوها التأنيث ، ويلينها النعيم ، تنظر إليك بغنج الحور ، وتكلمك بملاحة المنطق ، وتداعبك بالدلائل ، وتلاعبك بالعشق والطرب ، بيدها كأس در لا ظل له ، أو ياقوت لا شبه له من صفائه ورقة جسمه ، قد جملته بحسن كفها ، وزميرتها ، ونور خواتيمها فيه .



فتوهم :: كأس الدر والياقوت أو الفضة فى صفاء ذلك فى بنانها الكامل ، وقد إقتربت إليك ضاحكة بحسن ثغرها ، وسطع نور بنانها فى الشراب مع نور وجهها ونحرها ، وأنت مقابلها فضحكت أيضا إليها ، فإجتمع فى الكأس الذى فى بنانها نورك ، مع نورها ، مع نور الكأس ، ونور الشراب ، ونور وجهها ، ونور نحرها ، ونور ثغرها ، ونور الجنان .



فتوهم :: بهذه الأنوار فى ضيائه ، يلمع بصفائه فى كفها وقد مدت به إليك يدها بخواتيمها ، وأساورها فى معصمها ، فناولتك الكأس بكفها ، فيا حسن مناولتها ! ويا حسنها من يد ! ثم تعاطتك كأسات الخمر فى دار الأمن واللذات والسرور ، فتناولته منها ، ثم وضعته على فيك ، ثم سلسلته فى فيك ، فسار سروره فى قلبك ، وعمت لذته جوارحك ، فوجدت منه طعما أطيب طعما وألذه ، فشربته ، والولدان قيام بين يديك .





فتوهم :: ذلك وقد شربت الكأس من يدها ، ثم ناولتها من يديك ، فتناولته بحسن كفها وهى ضاحكة ، فيا حسن مضحكها ! فشربته من يدك ، حتى إذا تعاطيتما الكأس ، ودار فيما بينكما ، وشاع نور الشراب فى وجنتيها ، ورفعتما أصواتكما بالتحميد والتقديس لمولاكما وسيدكما ، ورفعت الولدان والخدام أصواتهم تسبيحا وتهليلا مجاوبة لكما ، فيا حسن تلك الأصوات بتلك النغمات فى تلك القصور وتلك الخيمات .

فبينما أنتما فى لذتكما وسروركما ، وقد مضت الأحقاب من الدهور ، وما تشعران ، من إشتغال قلوبكما بنعيمكما ، إذ جاءت الملائكة بالسلام عليك ، وأتتك بالتحف والألطاف من عند ربك ، حتى إذا إنتهت رسل ربك إلى الحجبة الذين دونك ، والقهارمة الموكلين بك ، فطلبوا إليهم الإذن عليك ، ليوصلوا ما أتوا به من عند مولاك إليك ، فقالت عند ذلك حجبتك لملائكة ربك : إن ولى الله مشغول مع أزواجه وإنا لنكره الإذن عليه إعظاما وإجلالا له ، فأعظم به من شغل ! وأعظم بك من ملك تستأذن علليك رسل ربك !



فتوهم ::الملائكة وهى قائلة حين أبت حجابك أن تستأذن لهم عليك : إنا رسل الله إليه بهدايا وتحف من عند ربه ، فوثبت عند ذلك حجابك تستأذن لهم عليك .



فتوهم :: أيدى الحجاب ، وقد مدوا بها إلى حلق الياقوت المفصص بالدر على صفائح الذهب الأحمر ، فقرعوا حلق أبواب قصرك ، فلما أصطك حلق الياقوت بأبواب قصرك من الدر والزمرد ، طنت الحلق على الأبواب بأحسن طنين تلذ به الأسماع ، وتسر به قلوب المستمعين ، فلما سمعت الأشجار طنينها ، تمايلت ثمارها على بعضها بعضا ، فهبت بذلك أراييح طيبها ونسيمها ، ثم أشرقت من قبتها بجمال وجهك ، وإشراق نورك ، فبادرت الحجبة إليك بالقول مسرعة ، وهى مع ذلك غاضة أبصارها تعظيما لك ، ولما رمق أبصارهم من إشراق نور وجهك ، قالوا : يا ولى الله رسل الله إليك بالباب ، ومعهم التحف من عند ربك ، فرجعت إليهم بالجواب : أن إئذنوا لرسل مولاى ، ففتحت الحجبة عند إذنك لهم أبواب قصرك وأنت متكىء ، فدخلوا على أريكتك ، والولدان قد صفوا بين يديك ، فأقبلت الملائكة بحسن صورهم ، والهدايا تلمع وتسطع نورا فى أيديهم ، فدخلوا عليك من أبواب متفرقة لينجز لك ربك ما وعدك من كل باب سلام عليك ، فبادروا بالسلام عليكم بحسن نغماتهم من كل أبوابك ، ثم أتبعوا تسليمهم : يا ولى الله إن ربك يقول : عليك السلام ، وقد أرسل إليك بهذه الهدايا والتحف .



فتوهم :: سرور قلبك بتحف ربك ولطفه إياك ، حتى إذا خرجوا من عندك ، أقبلت على نعمتك مع زوجتك ، قد حار فيها طرفك ، وإشتد بها سرورك .

فبينما أنت معها فى غاية السرور إذ أتى النداء بأحسن نغمة وأحلى كلام من بعض ما أعد الله من أزواجك : يا ولى الله أما لنا منك دولة ؟ أما أن لك أن تنظر إلينا ؟ فلما إمتلأت مسامعك من حسن كلامها ، طار قلبك عشقا لحسن نغماتها فأجبتها : ومن أنتى بارك الله فيكى ؟ فردت الجواب إليك : أنا من اللواتى قال الله عز وجل : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين }



فتوهم :: باب القصر ، وحسن الستر ، وحسن الحجاب والقهارمة والخدام . ثم دخلت من باب قصرك الذى نادتك منه زوجتك ، فلما دخلت من بابه ، وقع بصرك على حسن جدرانه من الزمرد الأخضر، وحسن رياضه ، وبهجة بنائه ، وإشراق عرصاته ، ونظرت إلى قبتك التى فيها زوجتك ، يتلآلآ نور القبة نورا وضوءا وإشراقا بنور وجهك ونور وجه زوجتك .

فلما نظرت إليك ، نظرت من فرش الحرير والإستبرق والإرجوان ، فنزلت عن سريرها مبادرة ، قد إستخفها شدة الشوق إليك ، وأزعجها العشق فإستقبلتك بالترحيب والتبجيل ثم عطفت عليك لمعانقتك .



فتوهم :: مجسة لين كفها بحسنها وخواتمها فى كفك ، وقد شخصت كالمبهوت تعجبا من حسن وجهها ، ونعيم جسمها وتلآلؤ النور من عوارضها ، ثم وضعت كفها فى كفك ، حتى أتيتما سريرك مضروبة عليه أريكتك ، فإرتقيتما جميعا على أريكتك ، وأسدلت عليك جلال حجلتك ، وعانقت على فرش زوجتك ، فمضت بك الأزمنة الطويلة ، ثم أقبلت الولدان بالكاسات والأكواب فأصطفت قبالتكما ، ثم أدرتما الكأس فيما بينكما .

فبينما أنتما قد ملئتما فرحا وسرورا ، إذ نادتك أخرى من قصر من قصورك : يا ولى الله أما لنا منك دولة ؟ أما أن لك أن تشتاق إلينا ؟ فأجبتها : ومن أنتى بارك الله فيكى ؟ فرجعت إليك بالقول : أنا من اللواتى قال الله عز وجل { ولدينا مزيد } ، فتحولت إليها .

وأنت تنتق فيما بين أزواجك فى قصورك وخدامك وولدانك ، فى غاية النعيم وكمال السرور ، وقد زحزحت عنك كل أفة وأزيل عنك كل نقص ، وطهرت من كل دنس ، وأمنت فيها الفراق ، لأن الله تعالى قد قصد قلبك فقال للهموم : زولى عنه فلا تخطرى له أبدا ،

وقال للسرور : تمكنى فيه فلا تزولى عنه أبدا ، وقال للأسقام : زولى عن جسمه فلا تعرضى له أبدا ، وقال للصحة : أقيمى فى بدنه فلا تبرحى أبدا ، وذبح الموت وأنت تنظر إليه ، فأمنت الموت فلا تخافه أبدا ، ولا زوال ترتقبه ، ولا سقم يعتريك أبدا ، ولا موت يعرض لك أبدا ، قد منحت جوار ربك ، ترفل فى أذيالك لا تخاف سخطه أبدا بعد رضاه عنك ، فلا تخاف نقمه فيما تتقلب فيه من نعيمه .

وأنت عالم بأن الله عز وجل محب لك ، مسرور بك ، وبما تتقلب فيه من سرورك ، فأعظم بدار الله دارا ، وأعظم بجوار الله جوارا ، فالعرش قد أظلك بظله ، والملائكة تختلف إليك بالألطاف من عند ربك فى حياة لا يزيلها موت ، ونعيم لا تخاف له فوتا ، أمنن من عذاب ربك ، قد أيقنت برضاه عنك ، ووجدت برد عفوه فى قلبك ، مقيما دائما فى الخلود مع الأمان لنوائب الدهر وحوادث الأزمان لك ، ولجميع أوليائه ، متحدثا بجمعهم تحت ظل طوبى .

فبينما أولياؤه – وأنت فيهم – تحت ظل طوبى يتحدثون ، إذ أمر الله مناديا من ملائكته فنادى أولياءه ، لينجز لأوليائه ما وعدهم من غاية كرامته ، وعظيم مسرته ، بأن ، يقربهم منه ، ويناجيهم بترحيبه ، ويريهم وجهه الكريم ، ليبلغوا بذلك أشرف المنازل ، وغاية السرور ومنتهى الرغبة ، فلم تشعر إلا ونداء الملك : أن يا أهل الجنة ، إن لكم عند الله لموعدا لم تروه ، فيرجعون إليه القول إستعظاما لما اوعطوا ، فإنه لا عطية فوق ما اوعطوا بعد ذلك ، أدخلوا فى جواره ، وأمنوا من عذابه ، وأنت قائلها معهم : ألم ينضر وجوهنا ؟! ألم يدخلنا الجنة ؟! ألم يزحزحنا عن النار ؟! فناداهم : أن الله يستزيركم فزوروه .

فبينما هم كذلك ، وقد كادت قلوبهم أن تطير بأرواحهم وأبدانهم فرحا وسرورا ، إذ أقبلت الملائكة يقودون نجائب بوخت خلقت من الياقوت ، ثم نفخ فيها الروح مزمومة بسلاسل من ذهب ، كأن وجوههم المصابيح نضارة وحسنا ، لا تروث ولا تبول ، ذوات أجنحة ، قد علاها خز من الجنة أحمر ، ومرعز من مرعزها أبيض مشرق فى بياضه ، على ظهرها خطان ، حمرة فى بياض على هيئة وتر النجائب فى الدنيا ، لم ينظر الخلائق إلى مثله وحسن لونه .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهاجر
عضو هام


عدد الرسائل : 64
تاريخ التسجيل : 03/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم (الجزء السابع والأخير)   الأربعاء 11 مارس - 4:52

فتوهم :: حسن تلك النجائب ، وحسن صورها ، نجائب من ياقوت الجنة فى حمرته وصفائه ، وإشراق نوره وتلألؤه ، حين يمشى فى تحركه .



فتوهمها :بحسنها ، وحسن وجوه الملائكة ، وحسن أذمتها بسلاسل من ذهب الجنان ، وهى تقودها ، وتقبل بها إلى أولياء الله ، وأنت فيهم ، معتدلة فى خببها بحسن سيرها ، لأنها نجب خلقت على حسن السير من غير تعليم من العباد ، فهى نجب من غير رياضة ، ذلل بسلاسلها منقادة من غير مهنة .{ النجب : نوع من الإبل }



فتوهم :: إقبال الملائكة بها إليهم ، حتى إذا دنوا من أولياءه أناخوها .



فتوهم :: بروكها فى حسنها ، وهيئة خلقها ، وقلبك عارف أنك ستركب بعضها إلى ربك منطلقا فى الزائرين له ، فلما أناخوها فبركت على كثبان المسك من رياض الزعفران تحت طوبى ومستراح العابدين ، أقبلت الملائكة على أولياء الله فقالوا بحسن نغماتهم : يا أولياء الرحمن ، إن الله ربكم يقرئكم السلام ، ويستزيدكم فزوروه ، لينظر إليكم وتنظروا إليه ، ويكلمكم وتكلموه ، ويحييكم وتحيوه ، ويزيدكم من فضله ورحمته ، إنه ذو رحمة واسعة ، وفضل عظيم .

فلما سمعها أولياء الله ، وسمعتها معهم ، وثبوا مسارعين إلى ركوبها حبا وشوقا إلى ربهم .



فتوهم :: سرعة توثبهم ، وأنت معهم بحسن وجوههم ، ونورها ، وإشراقها سرورا بقرب ربهم ورؤية حبيبهم .



فتوهم :: هيبتهم حين رفعوا أيمان أرجلهم إلى ركب الياقوت والزمرد والدر .



فتوهم :: حسن أقدامهم ونعيمها ، إنها أقدام غيرت عن خلقها ، فأكسبت فى الحسن بخلاف ما كانت عليه فى دار الدنيا ، ثم أكنها الله فى جنته من كل أفة فغير خلقها متخصبة ، لها أحقاب الدهور ، فى كثبان المسك ، ورياض الزعفران .



فتوهم :: حسن نورها وقد رفعها أولياء الله إلى ركب الياقوت والدر .



فتوهمها :: بحسنها فى أحسن ركب نجائب الجنة ، ثم ثنوا من غير عنف ولا مشقة حتى إستووا على رحائل من الدر والياقوت مفضضة بالعبقرى والأرجوان ، فيا حسن بياض الدر فى حمرة الأرجوان !

فلما إستووا عليها ، وإستويت على نجيبك معهم ، أثاروا نجائبهم فثارت ، فثار عجاج المسك لوثوبها ، علا ذلك ثيابهم وجمامهم ، ثم إستوت النجائب صفا واحدا معتدلا فصاروا موكبا معتدلا لا عوج فيه ولا يتقدم بعضهم بعضا ، فأعظم به من موكب ! وأعظم به من ركبان !



فتوهم :: إمتداد صفهم فى إعتداله ، وإصطفاف وجوههم معتدلة فى إصطفافها ، وعلى جباههم الأكاليل ، من فوق رءوسهم تيجان من الدر والياقوت . فما ظنك بإجتماع وجوه أهل الجنه كلها ، عليهم الأكاليل والتيجان مصطفة متحاذية ؟!



فلو توهمت : هذا الموكب بنجائبه ، وإعتدال ركبانه ، وإصطفاف تيجانه على وجوه أولياء الله المشرقة الناعمة من تحته ، ثم رهقت نفسك إشتياقا لكنت لذلك حقيقا ، ولكنت به حريا ، إن عقلت ذلك شوقا من قلبك بإيقان بإنجاز من موعد ربك لذلك لأوليائه.

فلما إعتدل الصف ، وإصطفت التيجان . تبادروا بينهم : سيروا إلى ربنا .



فتوهم :: النجائب حين أخذت فى السير بأخفاف من الياقوت سيرا واحدا بخط واحد ، لا يتقدم بعضها بعضا ، تهتز أجسام أولياء الله عليها من نعيمها ، وأكتافهم متحاذية فى سيرهم ، وأخفاف رواحلهم وركبها متحاذية فى خببها ، فإنطلقوا كذلك تثير رواحلهم المسك بأخفافها ، وتهتز رياض الزعفران بأرجلها ، فلما دنوا من أشجار الجنة ، رمت الأشجار إليهم من ثمارها فصارت الثمار ، وهم يسيرون ، فى أيديهم ، فيا حسن تلك الثمار فى أكفهم ! وتزحزحت وتنحت الأشجار عن طريقهم ، لما ألهمها مولاها ، أن لا يتثلم صفهم فيتعرج بعد إستوائه ، ويختلف بعد إعتداله ، ويفرق بين ولى الله ورفيقه ، لأنهم رفقاء فى الجنان ، لتحابهم فى الدنيا فى ربهم ، فالرفقاء مشهورون ، كل رفيقين قد شهرا بالمرافقة ، وجعل لباسهما لونا واحدا ، ولون رواحلهما لونا واحدا .



فتوهم :: نفسك ، إذا من عليك ربك وأنت لاصق برفيقك منكبك بمنكبه ، وقد دنوتما من أشجار الجنة ، فنفضت ثمارها ، فوقعت الثمار فى أيديكما وأيدى أولياء الرحمن ، ثم تنحت بأصولها عن طريقهم ، فهم يسيرون فرحين ، وقد شخصت قلوبهم بالتعلق إلى نظر حبيبهم ، فهم يسيرون بالسرور ، ويلتفت بعضهم إلى بعض يتحادثون ، ويضحك بعضهم إلى بعض ، يتداعبون فى سيرهم ، يحمدون ربهم على ما صدقهم ، وعلى ما أباح لهم من جواره .

فبينما هم فى سيرهم ، إذ دنوا من عرش ربهم ، وعاينوا أحسن حجبه ونوره ، وإستحثوا السير شوقا وحبا وفرحا به .



فتوهم :: نجائبهم تطير فى سيرها بإعتدال موكبهم ، وإشراق وجوههم ، والملائكة قد أحدقت بالنجائب ، تزفهم زفا إلى ربهم ، حتى إنتهوا إلى فحصة عرش مولاهم .



فتوهم :: سعة تلك الفحصة ، وحسن نورها ببهجتها وزهرتها ، وقد وضعت الزرابى والنمارق على كثبان المسك ، وعرف كل فتى منهم ما أعد له ، والكراسى لأهل صفوته من عباده ، وأحبائه من خلقه ، لما دنوا إلى ما أعد لهم من المنابر والكراسى والزرابى والنمارق ، فثنى رجله الحسنة من الركاب إلى منبر أو كرسى .



فتوهم :: ثنيهم أرجلهم إلى كراسيهم ، حتى إستووا عليها .



فتوهم :: نعيم تلك الأفخاذ ، والأوراك المرتفعة على الكراسى بالدر والياقوت ، فأعظم به من مقعد ! وأعظم بولى الله متربعا !

فلما أخذ القوم مجالسهم ، وإطمأنوا فى مقعدهم ، والحجب تسطع نورها ، فيا لذة أعينهم ! وقد أصغوا بمسامعهم منتظرين لإستماع الكلام من حبيبهم .



فتوهم :: مجلسهم بحسن كرامتهم ، وجمال وجوههم وإشراقها ، لما رهقها نور عرشه عز وجل ، وإشراق حجبه .



فلو صح لك عقلك :



ثم توهمت : مجلسهم ، وإشراق كراسيهم ومنابرهم ، وما ينتظرون من رؤية ربهم ، ثم طار روحك شوقا إليه ، لكنت بذلك حقيقا.

فما أعظم ذلك عند عاقل عن الله مشتاق إلى ربه ورؤيته .



فتوهم :: ذلك بعقل فارغ ، لعل نفسك أن تستحى بقطع كل قاطع يقطعك عنه ، وترك كل سبب يشغلك عن التقرب فيه إلى ربك .

فلما إستوى بهم المجلس ، وإطمأن بهم المقعد، وضعت لهم الموائد ، ليكرم الله عز وجل زواره بالإطعام والتفكيه لهم ، ووضعت الموائد لزوار الله عز وجل وأحبائه من خلقه ، وقامت الملائكة على رءوسهم معظمين لزوار الرحمن ، فوضعت الصحاف من الذهب ، فيها الأطعمة وطرائف الفاكهة ، مما لم يحسنوا أن يتمنوا ، فقدموا أيديهم مسرورين بإكرام ربهم لهم ، لأنه – حقا – على كل مزور أن يكرم زائره ، فكيف بالمزور الكريم الواحد الجواد الماجد العظيم ؟



فتوهم :: وهم يأكلون فرحين مستبشرين بإكرام مولاهم لهم ، حتى إذا فرغوا من أكلهم ، قال الجليل لملائكته : إسقوهم ، فأتتهم الملائكة ، لا الخدام ولا الولدان ، بأكواب الدر وكئوس الياقوت ، فيها الخمر والعسل والماء والألبان .



فتوهم :: تلك الكاسات ، وتلك الأكواب بأيدى ملائكة الرحمن ، فتناولوها أولياء الله فشربوها ، فتنازع حسن الشراب فى وجوه الزوار ، فلما سقتهم الملائكة ما أمرهم الله به من الأشربة ، قال الجليل : إكسوا أوليائى .



فتوهم : الملائكة ، وقد جاءت بالحلل التى لم يلبسوا فى الجنة مثلها ، ثم قاموا على رءوسهم ، فألبسوها أهل كرامة الله ورضوانه .



فتوهم : وقد صيروها من فوق رءوسهم حتى صارت على أقدامهم ، فاشرقت بحسنها وجوههم .

ثم أمر الجليل تبارك وتعالى أن طيبوهم ، فإرتفعت السحاب بحسنها ، وشدة ضيائها ونورها ، لحمل ألوان الطيب من المسك وجميع طيب الجنان، ما لم يجدوا مثل رائحته .



فتوهمها : تمطر عليهم ، والطيب يتساقط عليهم مطرا ، حتى علا جباههم وثيابهم .

فلما أكلوا وشربوا ، وخلعت الملائكة الخلع ، وطيب مطر السحاب ، شخصت أبصارهم ، وتعلقت قلوبهم .

ثم رفع الحجب ، فبينما هم فى ذلك إذ رفعت الحجب ، فبدا لهم ربهم بكماله ، فلما نظروا إليه وإلى ما لم يحسنوا أن توهموه ، ولا يحسنون ذلك أبدا ، لأنه القديم الذى لا يشبهه شىء من خلقه .

فلما نظروا إليه ، ناداهم حبيبهم بالترحيب منهم ، وقال لهم : مرحبا بعبادى ، فلما سمعوا كلام الله بجلاله وحسنه ، غلب على قلوبهم من الفرح والسرور ما لم يجدوا مثله فى الدنيا ولا فى الجنة ، لأنهم يسمعون كلام من لا يشبه شيئا من الأشياء .



فتوهمهم :: وقد أطرقوا ، وأصغوا بمسامعهم ، لإستماع كلامه ، وقد علا وجوههم نور السرور ، لكلام حبيبهم وقرير أعينهم .

فلو توهمت : نفسك وقد سمعت قول الله لأوليائه مرحبا بهم ، ثم طار روحك فرحا به وحبا له ، لكان ذلك منه حقيرا وصغيرا عندما توهمته من نفسك عند إستماع كلامه .

فحياهم بالسلام ، فردوا عليه : أنت السلام ومنك السلام ، ولك حق الجلال والإكرام .

فمرحبا بعبادى ، وزوارى ، وخيرتى من خلقى ، الذين رعوا عهدى ، وحفظوا وصيتى ، وخافونى فى الغيب ، وقاموا منى على كل حال مشفقين ، وقد رأيت الجهد منهم فى أبدانهم أثرة لرضاى عنهم ، قد رأيت ما صنع بكم أهل زمنكم ، فلم يمنعكم جفاء الناس عن حقى ، تمنوا على ما شئتم .

فلو رأيتهم وقد سمعوا ذلك من حبيبهم ، يذكرهم ما كانوا عليه فى دنياهم من رعاية عهده ، وحفظه ، ودوام خوفهم منه ، وقد إستطاروا فرحا لما شكر لهم رعايتهم حقه ، وحفظ منهم خوفهم ، ورحب بهم محبة لهم ، إذ كانوا بذلك إياه فى الدنيا يعبدونه ، وإستطارت قلوبهم فرحا وسرورا ، إذ لم يفرطوا فى طاعته ، ولم يقصروا فى مخالفته ، فإغتبطوا لما كانوا به لله فى الدنيا يدينون من شدة خوفهم ورعاية حقه وحفظه ، فردوا إليه الجواب ، مع سرور قلوبهم بالقسم لعظمته وجلاله ، أنهم قد قصروا عما كان يحق له عليهم إعظاما له وإستكثارا ، إذ أثابهم جنته ، وأكرمهم بزيارته ، وقربه وإستماع كلامه ، فقالوا عند ذلك : وعزتك وجلالك ، وعظمتك وإرتفاع مكانتك ، ما قدرناك حق قدرك ، ولا أدينا إليك كل حقك ، فأذن لنا بالسجود ، فقال لهم ربهم : إنى قد وضعت عنكم مؤونة العبادة ، وأرحت لكم أبدانكم ، فطالما أتعبتهم الأبدان ، وأكننتم لى الوجوه ، فالأن أفضتم إلى كرامتى ورحمتى ، فتمنوا على ما شئتم .

وفى بعض الأحاديث : " أنهم إذا نظروا إليه خروا ، فيناديهم بكلامه تبارك وتعالى : إرفعوا رءوسكم ، ليس هذا حين عمل ، هذا حين سرور ونظر "



فتوهم :: بعقلك نور وجوههم ، وما يداخلهم من السرور والفرح ، حين عاينوا مليكهم ، وسمعوا كلام حبيبهم ، وأنيس قلوبهم ، وقرة أعينهم ، ورضا أفئدتهم ، وسكن أنفسهم فرفعوا رءوسهم من سجودهم ، فنظروا إلى ما لا يشبه شىء بأبصارهم ، فبلغوا بذلك غاية الكرامة ومنتهى الرضا والرفعة .

فما ظنك بنظرهم إلى العزيز الجليل ، الذى لا يقع عليه الأوهام ، ولا تحيط به الأذهان ، ولا تحده الفطن ، الذى لا تأويه الأرحام ، ولم تنقله الأصلاب ، الأزلى القديم ، الذى حارت العقول عن إدراكه فكلت الألسنة عن تمثيله بصفاته ، فهو المنفرد بذاته عن شبه الذوات ، والمتعالى بجلاله على مساواة المخلوقين ، فسبحانه لا شىء يعادله ، ولا شريك يشاركه ، ولا شىء يريده فيستصعب عليه أو يعجزه إنشاؤه ، أستسلم لعظمته الجبارون ، وذل لقضائه الأولون والأخرون ، نفذ فى الأشياء علمه ، بما كان وبما لا يكون وبما لو كان كيف كان يكون ؟! فأحاط بالأشياء علما ، وسمع أصواتها سمعا ، وأدرك أشخاصها ونفذ فيها إرادته ، وأمضى فيها مشيئته ، فهى مدبرة .

وقربها إختراعا فكانت عن إرادته ، لم يتقدم منها شىء قبل وقته الذى أراد فيه كونه ، ولم يتأخر فيه عن نهيه ، وكيف يستصعب عليه من لم يكن شيئا مذكورا حتى كونه سبحانه الواحد القهار ؟!

فلما سر أولياء الله برؤيته ، وأكرمهم بقربه ، ونعم قلوبهم بمناجاته ، وإستماع كلامه ، أذن لهم بالإنصراف إلى ما أعد لهم من كرامته ونعيمهم ولذاتهم ، فإنصرفوا على خيل الدر والياقوت ، على الأسرة فوقها الحجال ، ترف وتطير فى رياض الجنان .

فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله عز وجل ، وسمعت كلامه ، كيف ضاعف حسنها وجمالها ؟! وزاد ذلك فى إشراقها ونورها ، فلم تزل فى مسيرتها حتى أشرقت على قصورها ، فلما بدت لخدامها وقهارمتها وولدانها ، بادر كل واحد منهم خدامه وقهارمته وولدانه مستقبلة من أبواب القصور حتى أحدقوا به يزفونه إلى قصوره وخيامه ، فلما دنا قصره وخيامه ، قامت الحجاب رافعى ستور أبواب قصره معظمين مجلين له ، وبادرت إليه أزواجه ، فلما نظرت زوجته إلى جمال وجهه قد ضوعف فى حسنه وإشراقه ونوره ، إزدادت حبا له وعشقا ، وأشرقت قصوره وقبابه وخيامه وأزواجه من نور وجهه وجماله ، وإزدادت ازواجه حسنا وجمالا ووجاهة وحشمة ، ثم نزلوا عن خيولهم إلى صحون قصورهم ، ثم إطمأنوا على فرشهم ، وإشتاقوا إلى منادمة أنهار الجنة ففرشت لهم نمارق الجنان وزرابيها على كسبان المسك والكافور ، وتقابل الإخوان على السرر والشراب ، فقامت الولدان بالكاسات والأباريق والأكواب ، يغترفون من أنهار الجنة ، أنهارهم الخمر والسلسبيل والتسنيم .

فلما أخذت الولدان وإغترفوا ليسقوا أولياء الرحمن ، لم يشعروا إلا بنداء الله عز وجل : يا أوليائى طالما رأيتكم فى الدنيا وقد ذبلت شفاهكم ، ويبست حلوقكم من العطش فتعاطوا اليوم الكأس فيما بينكم وعودوا فى نعيمكم ،

فلا يقدر الخلائق أن يصفوا سرور قلوبهم ، حتى سمعوا كلام مولاهم ، يذكر أعمالهم شكرا منه لهم ، وغبطة منه لهم ، لما ناداهم إلى معاطاة الكأس للمنادمة بينهم ، بعد معرفتهم فى الدنيا منادمة أهل الدنيا على خمورهم .

فلو رأيت وجوههم ، وقد أشرقت بسرور كلام مولاهم وإغتباطه لما ذكرهم أعمالهم الصالحة من صيامهم ، وتركهم منادمة أهل الدنيا لمرضاته ، وما عوضهم من المنادمة فى جواره ، وما أيقنوا به من سرورهم بمنادمتهم على الخمر والعسل والألبان فأعظم به من مجلس ! وأعظم به من جمع ! وأعظم به من منادمين فى جوار الرحمن الرحيم !

فكن إلى ربك مشتاقا ، وإليه متحببا ، ولما حال بينك وبينه قاطعا ، وعنه معرضا ، وإبتهل فى الطلب إلى الله بفضله وإحسانه وأن لا يقطع بك عنهم .



وبالله التوفيق وإليه المصير ، والجنة مثوى المؤمنين ، وثواب المتقين ، وسرور المحزونين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .



تم بحمد الله تعالى

















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الموحده
مشرف


عدد الرسائل : 664
تاريخ التسجيل : 22/06/2008

مُساهمةموضوع: كتاب التوهم(توهم حال اهل النار,وتوهم حال اهل الجنه)   الأربعاء 11 مارس - 12:21


هذا الموضوع وضعه العضو

المهاجر

في سبعه مواضيع مختلفه فجمعته في موضوع واحد للسهوله وليسر القراءه لباقي الاعضاء ويرجي من الاستاذ المهاجر مراعاه ذلك


ورأيت من الافضل ان اقدم بين يدي القارئ الكريم مقدمه لمؤلف هذا الكتاب

كتاب التوهم


( توهم حال أهل النار ، وتوهم حال أهل الجنة )


للحارث المحاسبي


أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي


توفي سنة 243 هـ

كلمة عن المؤلف


الحارث بن أسد المحاسبي





نعته الذهبي في السير بقوله : الزاهد العارف شيخ الصوفية أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي صاحب التصانيف الزهدية .

قال الخطيب : له كتب كثيرة في الزهد وأصول الديانة والرد على المعتزلة والرافضة .

قال الجنيد : خلف له أبوه مالاً كثيراً فتركه ، وقال : لا يتوارث أهل ملتين وكان أبوه واقفياً .

قال أبو الحسن بن مقسم : أخبرنا أبو علي بن خيران قال : رأيت المحاسبي معلقاً بأبيه ، يقول : طلق أمي فإنك على دين وهي على غيره .

قال الجنيد : قال لي الحارث : كم تقول عزلتي أنسي ! لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت لهم أنساً ، ولو أن النصف الآخر نأوا عني ما استوحشت .
قلت : المحاسبي كبير القدر وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنقم عليه ، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه وحذر منه .



قال سعيد بن عمرو البرذعي : شهدت أبا زرعة الرازي وسئل عن المحاسبي وكتبه فقال : إياك وهذه الكتب ، هذه كتب بدع وضلالات ، عليك بالأثر تجد غنية ، هل بلغكم أن مالكاً والثوري والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس ما أسرع الناس إلى البدع .

قال ابن الأعرابي : تفقه الحارث وكتب الحديث وعرف مذاهب النساك ، وكان من العلم بموضع إلا أنه تكلم في مسألة اللفظ ومسألة الإيمان ، وقيل هجره أحمد فاختفى مدة .

ومات سنة ثلاث وأربعين ومئتين . ( أ. هـ الذهبي باختصار ) .

وقال ابن حجر في لسان الميزان : الزاهد المشهور . وفي التقريب قال : مقبول . ويعني بهذا اللفظ أن أحاديثه إذا تفرد بها لا تقوم مقام الحجة ، وإنما تصلح للاعتبار والشواهد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب التوهم(توهم حال اهل النار,وتوهم حال اهل الجنه)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التوحيد الخالص :: مكتبة المنتدى ومناقشة الرسائل والأبحاث :: الكتب والمتون-
انتقل الى: